رمضان في عُمان أيام زمان

معركة تحرير مسقط في رمضان (1650م)

 

 

◄ البرتغاليون بسطوا نفوذهم على مضيق هرمز وأقاموا قواعد عسكرية حصينة في مدخل الخليج العربي

◄ ناصر بن مرشد اليعربي قاد جحافل العُمانيين ونجح في إلحاق الهزيمة بالبرتغاليين

◄ الجهاد العُماني ضد البرتغاليين استمر عقدًا كاملًا

◄ البرتغاليون جرُّوا أذيال الهزيمة عام 1643م بعد طردهم من صحار

◄ الإمام سلطان بن سيف جهز جيشًا عرمرمًا انطلق من الرستاق نحو مسقط

◄ معارك شرسة دارت على مدى 7 سنوات وشهدت سقوط شهداء عُمانيين

◄ الوجود الاستعماريَّ البغيض واجهَ مقاومة عُمانية مستمرَّة

◄ معركة تحرير مسقط في 1650 علامة فارقة ومفصلية في تاريخ الإمبراطورية العُمانية

◄ تحرير مسقط أسهم في إضعافِ النفوذِ البرتغاليِّ في منطقةِ الخليجِ العربيِّ والمحيطِ الهندي

◄ العُمانيون أكدوا قدرتهم على بناء دولة قوية قادرة على حماية مصالحها البرية والبحرية

 

 

الرؤية- ناصر أبوعون

خلال سنتين عجاف (1505- 1507) زحفت الأساطيل البرتغالية تحت إمرة فرانسسيكو دي ألميدا نائب ملك البرتغال وتوغّلت في سواحل مومباسا وزنجبار، وصوبوا نيران مدافعهم إلى أكواخ السكان، وأحرقوا الأخضر واليابس، ودمّروا سفن الصيادين، واستعبدوا سكان البلاد الأصليين، وظلت أساطيلهم تجوب سواحل شرق أفريقيا حتى وصلوا سوقطرة بقيادة ألفونسو دي ألبوكيرك واستولوا عليها سنة (1506)، ثم واصلوا الزحف نحو سواحل عُمان التي كانت تنافسهم على طرق التجارة البحرية، فوصلوا إلى مسقط واستولوا عليها سنة (1507)، ثم أكملوا الزحف على سائر السواحل العُمانية بلا استثناء. ومن مسقط بسطوا نفوذهم على مضيق هرمز، وأقاموا قواعد عسكرية حصينة في مدخل الخليج العربي، طوال 450 سنة من التبشير والابتزاز الاقتصادي لموارد مئات الموانيء الواقعة على طرق التجارة العالمية.

7 فونيمات في نطق كلمة مسقط

فأمّا عن اسم [(مَسْقَطَ)]؛ فهي (اسم مكان)، وفيه إشارة إلى العاصمة ومركز الحُكْم وموقعها جغرافيا على بحر عُمان، وتنحصر بين جبال الحَجَر الشرقيّ والخليج العُمانيّ. وقد زارها عالم الآثار الفرنسي جين ديولافوا عام 1884م، وقال عنها: "إنه خليج هادئ محاط بنطاقات ثنائية واسعة من الصخور، الماء الأخضر يحيط بأرضية المدينة البيضاء“. وقد وردت في نطقها عدّة قراءات لفظًا ودلالة، وذلك راجعٌ لتعدُّد (الفونيمات = الوحدات الصوتية داخل مبنى الكلمة) في نطقها ورسمها؛ وأتتْ على ذكرها دراساتٌ عربيّة ووثائق أوربيّة شتَّى؛ كانت أهمها دراسة للباحث المصريّ أحمد محمد يوسف عبد القادر بعنوان: (نقود مدينة "مسكد" النحاسية في القرن 13هـ 19م) (1)، وقد اشْتُهِرَت في اللهجات الفصيحة بلفظ (مسقط) أو (مسقت) (2) ويلفظ الناطقون حرفها الأخير (ط) أو (ت) ساكنة منذ أوائل القرن العشرين، ويتنوّع نطقها وهجاؤها في اللغة الإنجليزية هكذا (Maskat/Masqat) (3)، وقِيل إنّ أصل كلمة (مسقط) بالكاف والتاء المفتوحة وتُرسَم هكذا (مسكت)، ويُقال إنّ صيتها ذاع بهذا الاسم يوم أن وصل إليها صحابة الرسول محمد- صلى الله عليه وسلم- فلّما رأوهم أهلها وسُكانها (سَكَتُوا/صَمَتُوا) إعجابًا وإجلالًا لقدرهم وحُسْن هيأتهم. فوصفهم الصحابةُ بقولهم: (أهل مسكت)، ثُم صُحِّفَتْ الكلمة إلى (مسقط)(4)، وقُلِبَت (القاف) إلى (كاف)(5)، ورسمها بعض المؤرخين هكذا (مَاسْكَات) (6)، وبعضُهم مَالَ في نُطْقِ (الكاف) ناحيةَ الجِيم المُعَطَّشَة فقال: (مَسْجَت) (7)، والبعض الآخر حَرَّفَ نُطقها فاستبدل التاء المفتوحة (ت) في (مسكت) بهاء مربوطة غير منقوطة ورسموها هكذا (ــه)، ونطقوها (مَسْكَه)(8)، وذلك تأثرًا بما هو شائع على ألسنة الهنود الذين وفدوا إليها منذ القديم(9)، كما ورد ذكر(مَسْقَت) في العديد من الوثائق باستبدال (القاف) كافًا و(التاء) دالًا ساكنة ورسموها ونطقوها هكذا (مَسْكَد) (10)، كما نطالع كثيرا لفظة (مسكد) في المراسلات الرسمية عام 1306هـ/1889م(11)، ونقرأها كثيرًا في العديد من المخطوطات العربية المنسوخة(12)، وقرأنها في تُحفة الأعيان للعلّامةُ نور الدين السالميّ هكذا (مسكد) بنصّها ولفظها وهجائها(13)

وعلى الرغم من الحملات المتتالية التي قامت بها دولة المماليك المصرية ضد البرتغاليين لتحجيم نفوذهم إلّا أنها فشلت جميعها، ولم تثنهم عن تحقيق هدفهم الأسمى بالوصول إلى (غوا) سنة 1510 واتخاذها مركزًا رئيسًا وقاعدة كبيرة لقواتهم في الشرق لتأمين الطريق البحري المؤدي إلى الهند، واستعمروها وفرضوا نفوذهم بالقوة على كل مدن هذا الطريق البحري الاستراتيجيّ، وبصرف النظر عن أهدافهم الاقتصادية إلى أنهم كانوا يسعون إلى تحقيق هدف عقائدي أكبر يتمثل في نشر المسيحية في كل البلدان التي استعمروها.

وفي عام 1633م قاد ناصر بن مرشد اليعربي جحافل العُمانيين وحمل على البرتغاليين في (جلفار)، و(دُبا) فنكّس راياتهم، وطارد فلولهم، ولم يضع سيفه هو ورجاله الأشداء طوال عشر سنوات من الجهاد المضني حتى أخرجهم من (صحار) يجرون أذيال الهزيمة عام 1643م، ولم تضع الحرب أوزارها بعد وفاة الإمام ناصر بن مرشد، وتسلم القيادة الإمام سلطان بن سيف فجهز جيشًا عرمرمًا انطلق من عاصمته الرستاق بالاتجاه نحو مسقط. وطوال معارك طاحنة دام زمنها سبع سنوات عجاف متتالية سقط فيها الكثير من الشهداء حتى أدركهم العُمانيون الأشاوس على سواحل مسقط العامرة وحاصروهم في تحصيناتهم وقلاعهم.

غيرَ أنَّ هذا الوجود الاستعماريَّ البغيض واجهَ مقاومة عُمانية مستمرَّة، بلغت ذروتها مع قيام دولة اليعاربة سنةَ 1624م بقيادةِ الإمام ناصر بن مرشد اليعربي، الذي وحَّد الداخلَ العُماني، وأرسى دعائم دولة قوية قائمة على الإمامة والشورى. وقد واصلَ خليفتُه الإمامُ سلطان بن سيف اليعربي مشروع التحرير، واضعًا نصبَ عينيه طردَ البرتغاليين من مسقط نهائيًّا.

شهر رمضان كان شاهدًا على تقدم الجيوش العُمانية باتجاه التحصينات البرتغالية

3.png
1.png
2.jpg
 

وفي شهر رمضان سنةِ 1650م تقدمت الجيوش العُمانية باتجاه التحصينات البرتغالية على سواحل مسقط وضربت حصارًا محكمًا على القوات البرتغالية الرابضة في الموانيء وحول االقلاع الحصينة، وبتنسيق عسكري وخطط بارعة جمعت فيها بين فصائل مشاة تقدمت بريًّا وسفنا عسكرية ضربت سلاسلها بحريا وتحت نيران المدفعية الكثيفة وقد أدَّى هذا الهجومُ إلى سقوطِ آخرِ معاقلِ البرتغاليين، وعلى رأسها قلعتا الجلالي والميراني، اللتين تم تشييدهما بغرض فرضِ هيمنتهم على طرقِ التجارةِ في المحيطِ الهندي. وأعلنوا نهاية حقبة سوداء الاحتلالِ الأجنبي.

وقد كانت معركة تحرير مسقط عام 1650م علامة فارقة ومفصلية في تاريخ الإمبراطورية العُمانية وبداية الاستقلال السياسي الحقيقي والفعليّ، وظهرت فيها دولة اليعاربة كقوة إقليمية يُحسب لها كل حساب، وصاحبة أسطول بحري مهاب الجناب، وفاعلة في تاريخ الخليج العربي.

لقد مثَّل تحرير مسقط تحوُّلًا استراتيجيًّا بالغ الأهمية؛ إذ لم يقتصر أثرُه على عُمان وحدَها، بل أسهم في إضعافِ النفوذِ البرتغاليِّ في منطقةِ الخليجِ العربيِّ والمحيطِ الهندي، ومهَّد لانطلاقِ الأسطولِ العُمانيِّ لملاحقةِ البرتغاليين في سواحلِ الهند وشرقِ أفريقيا، وصولًا إلى ممباسا وزنجبار.

كما عزَّز هذا النصر الهوية الوطنية العُمانية، ورسَّخ مفهومَ الاستقلال والسيادة، وأكَّد قدرة العُمانيين على بناء دولة قويَّة قادرة على حماية مصالحها البرية والبحرية، لتبدأَ مرحلة جديدة من الازدهارِ السياسيِّ والاقتصاديِّ في تاريخ عُمان.

*****

المراجع والمصادر

(1) مجلة مركز الدراسات البرديّة (BCPS)، كلية الآثار، جامعة القاهرة، جامعة عين شمس، مج39، 2022، ص: 696،695،694

(2) ج.ج – لوريمر، دليل الخليج العربيّ، القسم الجغرافيّ، ج4، قطر، الدوحة، مطابع علي بن علي، 1995م

(3) محمود محمد الجبارات، (مدينة مسقط 1900- 1913)، مجلة مؤتة للبحوث والدراسات، جامعة مؤتة، مج32، عدد: 5، الأردن 2017، ص: 259

 (4) ابن المجاور، صفة بلاد اليمن ومكة وبعض الحجاز(تاريخ المستبصر)، راجعه ووضع هوامشه: ممدوح حسن محمد، القاهرة، مكتبة: الثقافة الدينية 1996م، ص: 314

(5) أحمد بن محمد الحضراوي، مختصر حسن الصفا والابتهاج في ذكر من ولي إمارة الحجاج، تحقيق: محمد ناصر الخزيم، ومحمد التمساحي، ط1، القاهرة، مكتبة زهراء الشرق للنشر، 2007، ص: 293

(6) س. بكنجهام، بعض الملاحظات عن البرتغاليين في عُمان، ندوة الدراسات العُمانية، سلطنة عُمان، نوفمبر 1980م، ج6،، ص: 200

(7) جي وايز جرير، مسقط في عام 1688م، وناصر بن سالم الصوافيّ في (الحياة الاجتماعية في مسقط)، ص: 17

(8) أحمد قايد الصياديّ، بلاد عُمان فصل من كتاب كارسن نيبور، ص: 83

(9) ثمان بن عبد الله بن بشر، عنوان المجد في تاريخ نجد، حققه وعلّق عليه: عبد الرحمن بن عبد اللطيف بن عبد الله آل الشيخ، ط4، الرياض، دارة الملك عبد العزيز، ج1، 1982، ص: 297

(10) عبد الله بن عبد العزيز الحوير، التاريخ السياسي لمسقط وعُمان في الفترة ما بين 1308 – 1339هـ/1891 – 1920م، رسالة دكتوراه غير منشورة، جامعة أم القرى 1412هـ

(11) برنهارد مورتس، السموط الدريّة في الخطوط العربيّة، برلين، 1892م، ص: 107

(12) سيف بن ناصر اليعربيّ، أول قطرة طلّ بسيرة أبي محمد البطل، مخطوط، 1373هـ، الورقة: 97

(13) نور الدين السالمي، تحفة الأعيان، ج2، القاهرة، 1347هـ، ص: 166

تعليق عبر الفيس بوك

الأكثر قراءة

z