الموسيقى في حياة الإنسان

 

 

 

آية السيابية

 

اللغة الأولى للإنسان هي الموسيقى؛ فمنذ البدء، وقبل أن يتعلم الإنسان استخدام صوته في اللغة والتفاعل الحُر بعواطفه، كانت الموسيقى هي أول ما تلتقطه أذناه.. أصوات كثيرة تتناوله، جميعها تمثل أوتارَ الوجود باختلاف صيغتها؛ فيسمع الطفل صوت الحياة وهمهمة الناس حوله، ثم تتجلى له الموسيقى، في تهويدة ناعمة.

تُشير الدراسات على الأطفال الرُضَّع إلى أنَّ الموسيقى تُعزز الانتقال بين مراحل النوم وتزيد من مدة النوم المتواصل في بعض الحالات، وتزداد إمكانية النطق مع تعرض منتظم للموسيقى والإيقاع؛ ما يثبت تأثيرها الكبير على الطفل. كما ظهرت أبحاث ودراسات ومقالات عدة، تتناول تأثير الموسيقى في التخفيف من القلق والاكتئاب وتحسين المزاج، ودورها في تشكيل الهوية الجماعية، التفاعل الاجتماعي، والسياسة الثقافية، لما لها من تأثير في توحيد وانتماء السلوك الجماهيري الجمعي، مثل ترديد الأغاني الوطنية والأناشيد الثورية وغيرها. وهنا أذكرُ الملحمة الشعبية الروسية الشهيرة "پوليوشكا پوليي"، التي ألفها الملحن الروسي ليف كنيبر في عام 1934.

استُعمِلَتْ هذه الأغنية خلال الحرب العالمية الثانية تحت عنوان "فرسان مارس الحُمر"، وأصبحت بعدها مشهورة عن طريق إعادة نسخها إلى موسيقى الروك وموسيقى البوب وغيرها. كما استُخدم لحنها في أفلام عديدة مثل فيلم "الروس قادمون". ونجد أيضًا الموسيقى تتجلى في التصوُّف كأداة للوصول إلى حالة نشوة روحية تظهر في التماهي مع النغم لإسكان النفس. وهذه الحالة، يُطلِق عليها المتصوفة بكاء الروح. وقد جاء في الفلسفة الروحانية، أن الموسيقى أداة للعبور من الشكل إلى الجوهر؛ ذلك أنها قادرة على تنشيط تأمل العقل.

لذا من قال إن الموسيقى ترف، فقد جهل؛ لأنها قوة تنبِّه الحواس، وتعيد تشكيل القوالب النفسية لدى الفرد منذ المهد. الموسيقى هي اللغة الوحيدة التي لا تحتاج إلى ترجمة، ولا إلى فكر علمي متسع، ولا تحتاج إلى وسيط؛ فهي نغمٌ يقرأه القروي في أقاصي الأرض كما يقرأها الحداثوي الذي يسكن ناطحات السحاب؛ لأنها تفتح مجالًا للشعور والتعبير العاطفي، ويتعلم المرء من خلالها التمييز بين مشاعر الفرح والحزن والخوف. إنها تحفّز مناطق متعددة في الدماغ، وتؤثر في المزاج والانتباه والتعلم، وهي تقف أمامنا كلغة بديلة لفهم المشاعر والتواصل غير اللفظي. وقد جاء في أبحاث علم الأعصاب، أن الموسيقى تجعل الدماغ يعمل كشبكة مترابطة؛ حيث تتحسن الوظائف التنفيذية وتخزّن الذاكرة وتُنشّط التعلّم عند التعرض المنتظم للموسيقى.

ويحدث أن تشعر بذاتك في مقطوعة ما؛ فتجد نفسك في تعرية ذاتية أمام سكونها أو تصاعدها؛ لأن الإنسان كائن موسيقي بامتياز. كيف لا، ونحن نستلذ بصوت الماء، وصوت المطر، وصوت الليل، وحفيف الشجر، وغناء العصافير. كما نمارس سماع الأصوات البيئية حولنا كل يوم.

يَسكُنُنَا هذا الإيقاع الكوني الذي يتناغم مع دوران الأرض وحركة الأفلاك. قد يكون سرُّ هيمنة هذه الأوتار على نفوسنا، أن اللحن لا يمثُل أمامنا بشكل مرئي تمامًا، لكننا نشعر به مُنسابًا بلطفٍ في عروقنا.

تعليق عبر الفيس بوك

الأكثر قراءة

z