ليانغ سوو لي **
في ظل التحديات العالمية المرتبطة بتغيّر المناخ وضغوط الموارد، غالبًا ما يُنظر إلى «الاستهلاك الأخضر» بوصفه مفهومًا نظريًا واسعًا، غير أنّ هذا المفهوم في الصين يشهد انتقالًا تدريجيًا من مستوى الشعارات إلى اختيارات يومية ملموسة: من تفضيل المركبات العاملة بالطاقة الجديدة عند شراء السيارات، إلى الانتباه لمستويات كفاءة الطاقة أثناء تجديد المنازل، مرورًا باختيار «عدم الحاجة إلى أدوات المائدة البلاستيكية» عند طلب الطعام، وصولًا إلى احتساب المشي واستخدام وسائل النقل العام كسلوكيات منخفضة الانبعاثات الكربونية.
لم تكن هذه التحوّلات عفوية؛ بل جاءت نتيجة مسار تراكمي خلال السنوات الأخيرة، اعتمد على تصميم سياسات مدروسة، وتوجيه السوق، وابتكار آليات تربط الاستدامة بأنماط الحياة اليومية.
في جوهره، لا يدعو الاستهلاك الأخضر إلى تقليص الاستهلاك أو خفض مستوى المعيشة، بل يهدف إلى توجيه الأفراد نحو منتجات وخدمات تؤدي الوظيفة نفسها وتوفّر تجربة مماثلة، مع استهلاك أقل للموارد وتأثير بيئي أخف على امتداد دورة حياتها الكاملة. ورغم أن هذا المفهوم حاضرٌ منذ سنوات في النقاشات الدولية حول التنمية المستدامة، فإن خصوصية التجربة الصينية تكمن في ربط التحوّل الأخضر بتحسين رفاهية السكان وتحفيز الطلب المحلي، بحيث يصبح جزءًا من مسار التنمية لا عبئًا عليها.
وانطلاقًا من هذا الفهم، تنظر الصين إلى الاستهلاك الأخضر باعتباره ركيزة أساسية في عملية التحوّل الاقتصادي. ففي بلد يتجاوز عدد سكانه 1.4 مليار نسمة، يمكن لأي تعديل- وإن بدا محدودًا- في هيكل الاستهلاك أن يُحدث أثرًا مضاعفًا على الإنتاج وأنماط استخدام الموارد. وإذا بقيت المنتجات الخضراء محصورة في أسواق ضيقة، فلن يتحقق التحوّل على نطاق واسع؛ أما حين تصبح الخيارات الخضراء طلبًا سائدًا، فإن قطاعات الإنتاج وسلاسل التوريد والابتكار التكنولوجي تتكيّف معها تلقائيًا.
وخلال السنوات الأخيرة، برز برنامج استبدال السلع الاستهلاكية القديمة بأخرى جديدة كأحد أهم الأدوات العملية لتعزيز الاستهلاك الأخضر. وتشير البيانات إلى أنه بين عامي 2024 و2025، جرى استبدال نحو 18.3 مليون سيارة على مستوى البلاد، شكّلت المركبات العاملة بالطاقة الجديدة قرابة 60% منها. وفي قطاع الأجهزة المنزلية، بلغ عدد الأجهزة المستبدلة نحو 192 مليون جهاز، تجاوزت نسبة المنتجات ذات الكفاءة الأعلى للطاقة فيها 90%.
وتعكس هذه الأرقام تحولًا نوعيًا لافتًا، إذ إن التحديث الواسع للاستهلاك لم يؤدِّ إلى زيادة الضغط على الموارد، بل أسهم في خفض كثافة استهلاك الطاقة والانبعاثات. كما خفّفت الحوافز الحكومية من العبء المالي على المستهلكين، وأرسلت في الوقت نفسه إشارة واضحة إلى السوق مفادها أن المنتجات عالية الكفاءة هي التي تمتلك مستقبلًا تنافسيًا.
ولا تكمن أهمية هذا البرنامج في الدعم المالي بحد ذاته، بل في قدرته على تغيير «الخيار الافتراضي» لدى المستهلك. فعندما تصبح المنتجات الأعلى كفاءة أكثر جاذبية من حيث السعر، وسهولة الحصول عليها، وجودة الخدمات المصاحبة لها، يتحوّل الخيار الأخضر من عبء إضافي إلى قرار عقلاني، بل وأحيانًا الأكثر جدوى اقتصاديًا. ويُعد هذا المسار- القائم على توسيع نطاق الاستهلاك لدفع تحديث الصناعات - من أبرز ملامح التجربة الصينية القابلة للاستفادة على المستوى الدولي.
ولا يقتصر مفهوم الاستهلاك الأخضر في الصين على شراء السلع، بل يمتد ليشمل منظومة التوزيع والخدمات اللوجستية. فقد عملت البلاد بالتوازي على بناء سلاسل توريد خضراء من خلال تعميم استخدام الصواني الموحدة للنقل والتغليف القابل لإعادة الاستخدام، ما أسهم في تحسين كفاءة العمليات وتقليل تلف البضائع. وتشير التقديرات إلى أن النقل باستخدام الصواني الموحدة يقلّص زمن التحميل والتفريغ بنحو 80%، ويخفض معدلات التلف بأكثر من 50%، ويقلل تكاليف سلسلة التوريد بنحو 20%. وعلى المستوى الوطني، أدى تعميم الصواني القابلة لإعادة الاستخدام إلى تقليص استهلاك نحو 250 مليون صينية أحادية الاستخدام، بما يعادل حماية قرابة 50 مليون شجرة، فضلًا عن أثر تراكمي ملموس في خفض الانبعاثات.
وفي الحياة اليومية، تسعى الصين إلى نقل السلوكيات الخضراء من إطار الوعظ الأخلاقي إلى آليات مشاركة وتحفيز ملموسة. ففي مدن مثل ووهان وسط الصين، أُطلقت «حسابات الكربون الشخصية» التي تتيح للمواطنين تسجيل سلوكياتهم منخفضة الانبعاثات- كالتنقل الأخضر وترشيد استهلاك الكهرباء- مقابل حوافز استهلاكية أو توجيه النقاط إلى مشاريع ذات طابع اجتماعي. وقد تجاوز عدد المشاركين في هذه المبادرات مليوني شخص، ما يبرهن على أن السلوك الأخضر يصبح أكثر جاذبية عندما يكون قابلًا للقياس ويعود بفائدة ملموسة.
ومن منظور دولي، لا تكمن أهمية التجربة الصينية في سياسة واحدة بعينها، بل في نهجها المتكامل: توجيه حكومي واضح، واستجابة سوقية قائمة على المنافسة، وتدرّج في بناء وعي المستهلك وتفضيلاته. ويقرّ هذا المسار بأن نضج الأسواق يحتاج إلى وقت، لكنه يحافظ في الوقت نفسه على هدف ثابت يتمثل في تمكين الخيارات الخضراء من ترسيخ مكانتها اعتمادًا على قدرتها التنافسية الذاتية.
وبالنسبة للدول والمناطق الأخرى، قد لا تكون التجربة الصينية قابلة للاستنساخ الحرفي، غير أن منطقها يحمل دلالات عامة: دمج الأهداف البيئية في مسار ترقية الاستهلاك بدل وضعها في مواجهة التنمية؛ خفض عتبة المشاركة العامة عبر التصميم المؤسسي بدل تحميل المستهلك وحده عبء المسؤولية؛ وجعل التحوّل الأخضر نمط حياة أفضل، لا تكلفة إضافية.
وعندما يصبح الاستهلاك الأخضر خيارًا طبيعيًا لا مجرد شعار، فإنه لا يغيّر بنية الاستهلاك فحسب، بل يعيد أيضًا تشكيل فهم المجتمع لمسار التنمية ذاته. وربما تكون هذه هي الرسالة الأبرز التي تقدّمها التجربة الصينية للعالم.
** إعلامية صينية
