"إجادة" بين التطوير والإخلال بالأمان الوظيفي

 

 

 

د. سيف بن سالم المعمري

مضت أربعة أعوام على تطبيق منظومة قياس الأداء الفردي "إجادة"، ولا يزال الجدل يتنامى في فلسفة تطبيقها، وأدوات التحقق من موضوعية التقييم، وتصاعد المخاوف من اعتماد نتائجها في الترقيات، وتأثيرها المباشر في الإخلال بالأمان الوظيفي ومبادئ الحوكمة.

ويُعد الأمان الوظيفي أحد المرتكزات الأساسية لاستقرار المؤسسات وتطورها، وتحقيق مستوى الرضا الوظيفي والانتماء المؤسسي، ورفع كفاءة موظفيها وزيادة الإنتاجية والإبداع، وتعزيز الثقة بين المؤسسة وموظفيها، بينما تمثل الحوكمة الرشيدة الإطار التنظيمي لضمان تحقيق العدالة والشفافية والمساءلة في إدارة الموارد البشرية.

وعطفًا على ذلك؛ فإنَّ منظومة "إجادة" التي يعول عليها أن تكون أداة لتجويد العمل المؤسسي، وتحفيز الموظفين على تحسين الأداء، واكتشاف مواطن الخلل في المؤسسات؛ إلّا أنَّ تطبيقها بآليتها الحالية، أثار تساؤلات جدية؛ بسبب عدم قدرتها على المواءمة بين تطوير الأداء، وضمان الأمان الوظيفي، وتحقيق مبادئ الحوكمة.

إن الرغبة في التطوير والتغيير ظاهرة صحية في جوهرها؛ لكن هذه الرغبة مرتبطة بحاجة فعلية: أما أن تكون لقصور معين أو إشكالية مؤرقة، وبالتالي فقد صُمِّمَت "إجادة" لتكون في جوهرها وسيلة لقياس مستوى الأداء الفردي، وتحقيق الإجادة المؤسسية، ولتكون بديلًا عن نظام تقارير الأداء الوصفي- الأكثر عدالة من وجهة نظر جميع الموظفين- التي كانت الجهة المعنية بإدارة تقييم الموظفين ترى فيه المجاملات- غير أن الممارسات التطبيقية لمنظومة "إجادة" كشفت عن اختلالات واضحة في التقييم، وتلاشت الشفافية والمعايير الموحدة، وحلّ التقدير الشخصي محل التقييم الموضوعي، وهو ما أفرز شعورًا متزايدًا لدى معظم الموظفين بما فيهم الحاصلون على تقدير "ممتاز" و"جيد جدًا"، بعدم تحقق ممكنات الأمان الوظيفي والتي من بينها وضوح الأنظمة والتشريعات، والعدالة في التقييم والترقية، والشفافية في القرارات الإدارية، وتطبيق مبادئ الحوكمة الرشيدة؛ إذ بات التقييم السنوي للموظفين يشكّل مصدر قلق يؤثر على الاستقرار النفسي والمهني، وينعكس سلبًا على الأداء الفردي والمؤسسي، وتنامي المحسوبية والفساد الإداري، وفقدان الكفاءات.

إن أي نظام تقييم ينبغي أن يحقق ممكنات الأمان الوظيفي؛ لأهميته البالغة في تعزيز الطمأنينة لدى الموظفين، لا أن يحوّلها إلى أداة ضغط أو تهديد غير مُباشر. وبالتالي، في حال ارتباط نتائج تقييم منظومة "إجادة" بالترقية أو النقل أو فرص التطور الوظيفي أو المهني دون وجود آليات تظلم واضحة وفعّالة، ستؤدي إلى تقويض الشعور بالأمان الوظيفي، وخلق بيئة يسودها القلق من التقييم بدل السعي الحقيقي نحو تحسين الأداء الفردي.

كذلك، فإنَّ تطبيق منظومة "إجادة" بفلسفتها وآليات تقييمها الحالية، تتنافي مع مبادئ الحوكمة التي من أهم مبادئها (العدالة والشفافية والمساءلة)، فأين مبدأ "العدالة" عندما يُمنح الموظف تقدير "متوسط" وأهدافه لم يتم اعتمادها من المسؤول المباشر؟!! وكيف يمكن ضمان عدالة اللجنة المعنية بالنظر في التظلمات إن كان أعضاء اللجنة هم ذاتهم أعضاء اللجنة المعنية بإقرار منح التقديرات للموظفين؟ ولماذا يتم الرد على التظلمات بعد 7 أشهر؟ وبردود مُعلبة لجميع المتظلمين!!

أما عن مبدأ "الشفافية" فلماذا يتم التكتم على الحاصلين على المكافآت الأخرى (موظف الشهر، الموظف المبتكر، الموظف المبادر)، بحيث لا أحد يعلم من الحاصل عليها إلّا الشخص نفسه؟!

وأما عن مبدأ "المساءلة"، فلماذا يُعفى مديرو الدوائر من البصمة ومن حضورهم لمكاتبهم بعد العاشرة صباحًا بشكل يومي؟ ويُمنحون "ممتاز" سنويًا؟! وربما مكافآت "إجادة" الأخرى؟! ولماذا لا تتم مراجعة أحقية جميع الحاصلين على "ممتاز" وفقًا للإنجازات التي أهلتهم لمنحها؟!

والسؤلان الأهمان: لماذا يتعلل القائمون على "إجادة" بأن الإشكالية ليست في المنظومة، ولكن في الممارسات الخاطئة في تطبيقها؟! أليس ذلك اعترافًا صريحًا بانحراف المنظومة عن هدفها الأسمى؟!

إن إشراك الموظفين في فهم آليات التقييم وتطويرها من متطلبات الحوكمة الرشيدة، وهو ما لم يتحقق بصورة كافية في مؤسساتنا؛ فغياب الحوار المؤسسي والشفافية المسؤولة والموضوعية حول المنظومة أدى إلى التذمر والمشاحنات داخل بيئة العمل، وتحوله من أداة تطوير إلى مصدر توتر.

الموظفون، بوصفهم ركيزة أساسية في الإجادة المؤسسية، يتأثرون بشكل مباشر بمستوى الأمان الوظيفي؛ فعندما يشعرون بعدم العدالة أو الغموض في التقييم، ينعكس ذلك على أدائهم، وعلى جودة الخدمات التي ينجزونها. ومن هنا، فإنَّ أي خلل في تطبيق نظم التقييم لا يمس الموظفين وحدهم، بل يمتد أثره إلى المجتمع بأكمله.

الأكثر قراءة

z