ويبقى الأثر!

 

 

 

د. سيف بن سالم المعمري

saif5900@gmail.com

 

إن ما يغرسه الإنسان من قيم سامية، ومثل نبيلة، تبقى خالدة في القلوب والعقول، وإن الأثر الذي يتركه لا يقاس بطول البقاء، بل بعمق العطاء؛ فكم من أناس رحلوا بأجسادهم وتركوا أخلاقهم، وظل أثرهم الطيب حيا لا ينسى، يمشون بين الناس، ويشهدُ لهم بحسن الخلق ونبل العطاء، وقد نقشوا أسماءهم بالخير في وجدان المجتمع، فاستعصى على الأيام أن تمحوه!

إن أفضل وسام وأعلى المراتب الدنيوية التي يتمناها كل إنسان نبيل -بعد رضا الله ومحبته-، هي محبة خلقه، وأن ذلك لا يتأتى للكل، بل للكيس الفطن، الذي استشعر عظم نعم الله عليه، ولم يغتر بمنصب زائل، أو بمال أو بمكانة اجتماعية فانية.

والأيام تخبرنا عن نماذج مشرقة للكثير من الناس الذين ظهرت معادنهم النبيلة في امتحانات الحياة المتجددة، ولعل مواقع العمل أحد أهم المنصات الملائمة لتعكس طبيعة الناس وحقيقة أخلاقهم، فالبعض يرى في الحياة البسيطة مع الناس ممارسة أخلاقية يومية، يترجمها بالإخلاص واستشعار عظم المسؤولية وجسامتها وصدق الانتماء للوطن والمواطن، فيعيش قريباً من هموم المواطنين، لا تفصله عنهم المظاهر ولا تحجبه الامتيازات، يقترب ممن حوله، ومن المواطنين ليتفهم معاناتهم، ويشاركهم الواقع، ويشعر بتفاصيل حياتهم، ولا يعزل نفسه خلف أبواب مغلقة.

وفي زمن المظاهر التي أصبحت ملاذًا للبعض، وعلت فيه أصوات الامتيازات، تظل الحياة البسيطة للمسؤولين معيارًا حقيقيًا لنبل القيادة، فالبساطة في حياته ليست ضعفًا ولا تقليلا من الهيبة، بل قوة أخلاقية تمنحه ثقة ومحبة المجتمع، وهو بذلك يرسل رسالة واضحة مفادها إن المنصب تكليف ومسؤولية، وليس منفذا للحصول على الامتيازات وبلوغ الثراء.

إنَّ البساطة من ركائز الحوكمة الرشيدة، وإن بساطة المسؤول تحصنه من استغلال المنصب، وتجعله ممكنا لحماية المال العام وصون مقدرات الدولة، وتزيد القدرة على النزاهة، واستقلالية القرار وموضوعيته.

لقد خلّد التاريخ نماذج لقادة ومسؤولين، كانوا أبسط عيشا، والأكثر تواضعا وورعا، وعدلا، حيث أدركوا إن المناصب زائلة، وإن أعظم ما يتركونه بعد رحيلهم، هو الأثر الطيب، والسيرة الحسنة، والثقة والمحبة في قلوب الناس.

الأكثر قراءة

z