سُلطان بن خلفان اليحيائي
في السياسة لا يُقاس القرار بما هو مُتاح؛ بل بما يُمكن تحمّل نتائجه، فليس كل من يقود طائرة يُغامر بها وسط السحب الركامية ولا كل من يُبحر يملك الجرأة على دفع سفينته إلى بحر متقلّب الأمواج.
امتلاك الوسيلة لا يعني الاستعداد لتحمّل العواقب ورفع الصوت لا يعني القدرة على تحمّل صداه.
التلويح بالقوة أسهل من استخدامها لأن الخطأ هنا لا يُصحّح؛ بل يُدفع ثمنه دفعة واحدة.
القرار العسكري ليس زرًا يُضغط؛ بل بوابة إذا فُتحت انهارت معها الأوهام وخرجت النيران على الجميع. ومن اعتاد الخطابة خلف مكبّرات الصوت ليس كمن يقف على حافة النار بقدميه.
فرعون أمريكا اليوم يملك الحديد والأساطيل لكنه يعرف أن الضربة ليست تغريدة؛ بل مواجهة تُكتب بالدم. وإيران الصامدة تقف على أرضها لا تُكثر التلويح لأنها تدرك أنَّ التراجع هنا ليس خسارة صورة؛ بل خسارة وجود.
كلفة الضربة لا تُقاس بالأحجام ولا بالتهديد؛ بل بثمن كل خطوة وثمن كل دم يُراق. الجغرافيا شبكة أعصاب من مضيق إلى بحر إلى حليف ينتظر إشارة. أي شرارة قد تفتح أكثر من جبهة وأي خطأ قد يتحوّل إلى سلسلة أخطاء لا يُطفئها ماء.
من يظن أنَّ الضغط على زر مسألة بسيطة ينسى أن بعض الأزرار تُفجّر مدنًا بأهلها. التردّد أحيانًا قراءة لخريطة ملغومة لا خوفًا؛ بل فهمًا بأن الشرر إذا تطاير لن يُخمد.
في لعبة الردع وحرب الأعصاب الهدف ليس إطلاق الصواريخ؛ بل إقناع الخصم أنك قادر على ذلك. عضلات تُستعرض وبوارج تُصوَّر وخطابات غوغائية جوفاء.
إنها حرب بلا دخان لكنها مليئة بالدخان النفسي. من يرمش أولًا يخسر هيبته ومن يُخطئ الحساب يخسر أكثر من الهيبة. الصاروخ لا يصيب الهدف فقط؛ بل يصيب التوازن كلّه في مقتل.
الشرق الأوسط ليس خارطة رملية؛ بل حقل نار مستعر كل حجر شرر وكل شرارة تجد ألف فتيل. ومن يظن أن القرار هنا يشبه قرارًا في مكان آخر كمن يشعل عود ثقاب في مخزن وقود ثم يسأل لماذا احترقت المدينة؟
التهديد هنا ليس استعراضًا والتراجع ليس شجاعة؛ بل غريزة بقاء لمن يعرف أن النار لا تعترف بالحدود.
إيران ليست عدوّة الإسلام.. أعداء الإسلام ظاهرون أمام الأعين إلا لمن أصابه قصر النظر.
ليس عيبًا أن تُمدّ اليد لمن صمد وثبت. العيب أن تبقى ممدودة لمن لا يرى فينا إلا أتباعًا فاقدي الإرادة.
الكيان الصهيوني ومن يقف خلفه من دول الغرب هم أعداء الأمّة الحقيقيون، وهم المصدر الرئيس لانعدام الأمن والاستقرار في المنطقة. والمحتلّ لأرض فلسطين هو من يقوّض الأمن ويشعل الحروب ويغذّي الفوضى، لا من يطلب العدالة ولا من يرفض الخضوع.
إيران التي تُحاصَر وتُعاقَب بالإقصاء يدرك الجميع أن استهدافها لا يصنع سلامًا ولا يحمي استقرارًا؛ بل يفتح أبواب الفوضى ويُبقي المنطقة رهينة الابتزاز والهيمنة.
الأنظمة العربيّة لا خلاص لها من التعثّر إلا بالتكتّل. إنّ الحاجة اليوم إلى تكتّلٍ إقليميٍّ جديد لم تعد هامشًا سياسيًا ولا طرحًا نظريًا؛ بل أصبحت مسألة وجودية تمسّ أمن الشعوب ومصير الأوطان.
ولمن استيقظ وحرّر عقله من الوهم وخزعبلات الطائفية والمذهبية وأحسن الاصطفاف مع العقلاء الذين يقولون كلمة الحق بوضوح، إما أن تكون مسلمًا حرًا وتضع يدك بيد من قبلته الكعبة المشرفة، أو تضعها بيد من يركع للهيكل وقبلته تل أبيب.
وهو حقّ واضح كالشمس لا يحتاج تبريرًا ولا وساطة، لكنّ المشكلة ليست في وضوح الحقّ؛ بل في عمى من يرفض رؤيته.
ولم يعد السؤال من يملك الجيوش؛ بل من يملك الجرأة ليقف ويقول "لا" بلا خوف من فرعون أمريكا.
وعندما يرتطم ميزان الحديد بميزان العقيدة لا ينتصر الأكثر تبجحًا وصراخًا ولا الأشد استعراضًا؛ بل من يملك الإرادة واليقين واستعداد دفع الثمن كاملًا.
هنا يُعرف الفرق.
قوّة تملك السلاح ولا تملك القرار. وقوّة تملك القرار ولو قلّ سلاحها. وفي لحظة الحقيقة لا يُسأل من خزّن الحديد؛ بل من ثبت عندما ارتجفت القلوب وارتعدت الفرائص.
