المزيونة.. والحلم الواعد والتنمية الحدودية

 

 

 

 

خالد بن أحمد العامري

bnmqbil@yahoo.com

 

 

المزيونة، تلك المدينة الوادعة لمن لا يعرفها، مدينة خرجت من رحم الصحراء بعد ترسيم الحدود الدولية بين سلطنة عُمان والجمهورية اليمنية الشقيقة في العام 1991، لكنها لم تكن يومًا حدًا فاصلًا بقدر ما كانت جسرًا للتواصل والتكامل.

في المزيونة تمتزج ملامح الأصالة بضرورات الجغرافيا، وتحولت الحدود من خط على الخريطة إلى مساحة لقاء إنساني وتجاري وثقافي. فهي ليست مجرد منفذ حدودي، بل عنوان لعلاقات ضاربة في عمق التاريخ، وروابط اجتماعية لم تقطعها السياسة ولا المسافات.

ومن هنا، فإنَّ تنمية المزيونة لا تقرأ فقط في سياق اقتصادي، بل أيضًا في بعدها الاجتماعي والإنساني؛ حيث تمثل نموذجاً للاستقرار الحدودي القائم على الاحترام المتبادل وحسن الجوار.

خلال عملي في هذه الولاية مديرًا لإحدى الدوائر الحكومية في مجال العمل الاجتماعي بين عامي 2013 و2020، أتاحت لي تلك الفترة معايشة التحولات الاقتصادية والاجتماعية المتسارعة عن قرب؛ لم تكن تلك التحولات مجرد أرقام في تقارير رسمية، بل كانت واقعًا يوميًا ملموسًا؛ حركة توسعات في المنفذ، توسع الأنشطة التجارية، تحسن في مستوى الخدمات، ونمو في حضور القطاع الخاص. كما كان للاستقرار الإداري والتنظيمي دور محوري في تحويل التحديات الحدودية إلى فرص تنموية منظمة، تدار وفق أطر قانونية واضحة تحفظ الأمن وتدعم الاقتصاد في آن واحد.

المزيونة لم تبق رهينة الجغرافيا القاسية؛ فالرؤية الحكومية أدركت مبكرًا أهمية تنمية المناطق الحدودية، ليس فقط لتعزيز السيادة، بل لخلق مراكز نمو جديدة تدعم الاقتصاد الوطني وتفتح آفاقًا للتبادل التجاري المشروع والمُنظَّم. ومع إنشاء المنطقة الحُرة بالمزيونة، بدأت الولاية تتحول تدريجيًا إلى منصة لوجستية نشطة للتبادل التجاري مع الجمهورية اليمنية الشقيقة، وممر حيوي للسلع والخدمات، خاصة في ظل التحديات التي شهدتها اليمن خلال السنوات الماضية.

وفي عالم تتزايد فيه أهمية المنافذ والممرات، تكتسب المزيونة قيمة استراتيجية مضاعفة. فهي أحد خطوط التماس الحضارية والاقتصادية بين عُمان واليمن الشقيق، وتُكرِّس مفهوم الدولة الحديثة القادرة على الجمع بين الانفتاح والضبط المؤسسي. كما أن مشروع ازدواجية طريق "ثمريت- المزيونة" سيعزز من أهمية المنفذ في حركة التجارة الدولية، إلى جانب تطوير الخدمات والمرافق المرتبطة به، بما يعكس إدراكًا راسخًا بأن التنمية هي أفضل أدوات الاستقرار.

 

اليوم، ومع تطلعات رؤية "عُمان 2040"، يمكن للمزيونة أن تؤدي دورًا أكبر عبر تعزيز الاستثمارات اللوجستية، وتطوير الصناعات الخفيفة المرتبطة بالتبادل الحدودي، واستثمار موقعها في إنشاء مراكز تخزين وإعادة تصدير تخدم الأسواق المجاورة.

المزيونة ليست مدينة في أقصى الجنوب فحسب؛ بل رسالة تنموية تقول إنَّ عُمان ترى في أطرافها عمقًا لا هامشًا، وفي حدودها فرصة لا عبئًا. إنها نموذج لمدينة خرجت من الصحراء، لكنها تتجه بثبات نحو المستقبل، محافظة على دورها كجسر تواصل بين شعبين يجمعهما التاريخ، وتوحدهما أواصر الأخوة وحسن الجوار.

تعليق عبر الفيس بوك

الأكثر قراءة

z