سالم بن نجيم البادي
الشتاء بعد رحيل أمي أكثر قسوة، والبرد لا يكتفي بالجسد، بل يتسلل إلى أعماق الروح. الريح تمضي أمامي مزمجرة كدليلٍ إلى التيه والضياع. لا مطر في هذا الشتاء، والجفاف يتوغل في الأرجاء من حولي وداخلي.
والأرض عطشى من أثر الغياب، والليل طويل، والأيام باردة تُغلِّفها الرتابة وتمضي ببطء شديد. الفوضى تسكن صدري منذ أن رحلت أمي، وكانت أمي تُعيد ترتيب ما أفسدته تلك الأيام في ذاتي، والجرح القديم صار أشد نزفًا.
أزور قبر أمي في فصل الشتاء الأول بعد الرحيل، فينبش هذا الشتاء كوامن الفاجعة وذكريات الفراق. أبحث عن دفء مفقود، وأستجدي حنان أمي من خلف الحصى والتراب، ولا أشك في أن روح أمي تعلم أنني الآن أفتقدها، وأحتاج أن تكون روحها معي، تنوب عن حضور جسدها الغائب منذ الشتاء الفائت.
في غياب أمي صارت كل الطرق التي أحاول عبورها أشد وعورة، وفقد أمي قيدٌ يكبّل قدميّ، فأمضي حائر الخطى. أريد الاحتواء، وأن أجمع شتات نفسي التي تفرّقت بعد فقد أمي.
أزور قبر أمي، والشجر يصغي لدقات قلبي واضطرابي وقلقي، والريح تعبرني دون اكتراث، والسحاب يمر على عجل ويذهب بعيدًا. هذا الظل الثقيل، وتلك الشمس الواهنة، وكل شيء من حولي يبدو رماديّ اللون، كأنَّ الحياة فقدت أحد أركان اكتمالها حين ودّعت أمي ذات شتاءٍ قاسٍ وقارس.
كانت فصول الشتاء مواسم للعشق والرومانسية والبهجة والمرح والسفر، بحثًا عن أماكن تساقط الثلج، والغمام الذي يهطل فرحًا غامرًا. والآن صار فصل الشتاء باهتًا، ولا جديد فيه غير هذا الروتين البغيض.
غياب أمي لا يُختصر في الفقد، بل يتجاوز ذلك إلى إعادة تعريف الأشياء من حولي: للبيت، وللطريق، وللأمان، وللأمنيات، وللأحلام الذاهبة دون رجوع. أدرك الآن أن باب غياب أمي لا يُغلق، وأن حزني صار سرمديًا، يتسع مع مرور الأيام والليالي، وأن لا شيء يُمكن أن يملأ الفراغ الذي أوجده رحيل أمي.
