حين تُقال الحقيقة بجرأة

 

 

 

خالد بن حمد الرواحي

في كثير من المؤسسات الحكومية، لا تكمن المشكلة في غياب الأنظمة أو ضعف اللوائح، بل في تلك المساحة الرمادية بين ما يُكتشف وما يُقال، وبين ما يعرفه المدقق وما يصل فعليًا إلى صانع القرار. هناك، في هذا الفراغ الخفيّ، تُختبر قيمة التدقيق الداخلي على حقيقتها؛ لا بعدد التقارير الصادرة، ولا بكثرة الصفحات، بل بمدى استقلاله، وجرأته، وصدقه في نقل الواقع كما هو، دون تلطيف أو التفاف. ومن هذه النقطة تحديدًا، يبدأ الفرق بين تقرير يُقرأ… وتقرير يُغيّر.

ومن هنا، لا يمكن النظر إلى التدقيق الداخلي بوصفه وظيفة فنية تُراجع الأرقام فحسب، بل كدورٍ جوهري يحمي القيمة قبل أن يحمي الإجراء. فهو خط الدفاع الأخلاقي والإداري الأول داخل المؤسسة، والحارس الذي يُنبه قبل أن يتراكم الخلل. وحين يكون مستقلًا بحق، يتحوّل التقرير من وثيقة إجرائية إلى أداة إصلاح، ومن سردٍ للملاحظات إلى بوصلة تُوجّه القرار وتُعيد ترتيب الأولويات.

أمّا حين تُقيَّد استقلاليته، فإن أفضل الكفاءات، وأدقّ المنهجيات، تفقد معناها مهما بلغت احترافيتها، لأن المشكلة عندها لا تكون في المهارة… بل في القدرة على قول الحقيقة كاملة.

وتؤكد التجارب الدولية هذا المعنى بوضوح؛ فكلما كانت وحدة التدقيق الداخلي بعيدة عن الضغوط الإدارية، وقريبة من دوائر الحوكمة العليا، ازدادت جودة التقارير الصادرة عنها. عندها، لا تكون التقارير مجرد وصف للواقع، بل قراءة صادقة له: أكثر وضوحًا، وأكثر توازنًا، وأكثر قدرة على تسمية الخلل باسمه.

فهي لا تُجامل، ولا تُبالغ، بل تُقدّم الحقيقة كما هي، مدعومة بالأدلة، ومترجمة إلى توصيات قابلة للتنفيذ، تُساعد صانع القرار على الفهم… ثم على الفعل.

في المقابل، يتغيّر المشهد تمامًا حين يكون المدقق تابعًا إداريًا لمن يُفترض أن يراجعه. تتغيّر لغة التقرير بهدوء؛ فتصبح الملاحظات أكثر ليونة مما ينبغي، والتوصيات أكثر عمومية، والزمن بين الاكتشاف والإصدار أطول من اللازم. ليس لأن الخلل غير موجود، بل لأن الإنسان- مهما بلغت مهنيته- يتأثر حين يعرف أن من سيقرأ التقرير… هو نفسه من يقيّمه. وهنا، يتحوّل التقرير من أداة تصحيح إلى إجراء شكلي يملأ الأرشيف، ولا يُغيّر السلوك.

ومن هذا المنطلق، لا تُقاس جودة التقرير الرقابي بصحّة الأرقام وحدها، بل بمجموعة عناصر متداخلة تعكس قيمته الحقيقية: هل كُتب بلغة مفهومة لصانع القرار؟ وهل ركّز على القضايا الجوهرية أم انشغل بالهامش؟ وهل قدّم حلولًا عملية أم اكتفى بوصف المشكلة؟ وهل صدر في الوقت المناسب، أم بعد أن تجاوزته الأحداث؟

وعند هذه النقطة، لا يعود السؤال إداريًا فقط، بل إنسانيًا وتنظيميًا بامتياز:

هل نريد تدقيقًا يُطمئن، أم تدقيقًا يُصلح؟

وهل نبحث عن تقارير «آمنة»، أم تقارير صادقة؟

الإجابة عن هذه الأسئلة لا يمكن فصلها عن استقلالية الجهة التي أعدّت التقرير. فالاستقلال لا يعني الخصومة مع الإدارة، بل الحماية من تضارب المصالح. ولا يعني الصدام، بل القدرة على قول: «هذا المسار خاطئ» حين يكون كذلك فعلًا، دون خوف أو تردد.

ولهذا، تُثبت التجارب الناجحة أن المؤسسات التي تحمي استقلال التدقيق الداخلي، إنما تحمي نفسها أولًا؛ تحمي سمعتها، وقراراتها، ومالها العام. فالتقرير الجيد لا يحرج المؤسسة، بل ينقذها من تكرار الخطأ، ومن تراكم الخلل، ومن مفاجآت أكبر في المستقبل.

وفي النهاية، يمكن القول إن التقارير الرقابية لا تكون قوية إلا بقدر ما يكون من كتبها مستقلًا.. مستقلًا في اختيار موضوع المراجعة، ومستقلًا في الوصول إلى المعلومات، ومستقلًا في صياغة النتيجة.

الرقابة الحقيقية لا تبدأ من الورق، ولا من عدد التقارير، ولا من صرامة الإجراءات؛ بل من الشجاعة المؤسسية التي تسمح للحقيقة أن تُكتب كما هي، وأن تُقال في وقتها، وأن تُستقبل بوصفها فرصة للإصلاح لا تهديدًا للمواقع؛ فحين تُقال الحقيقة بجرأة، لا تحمي المؤسسات أنظمتها فقط، بل تحمي مستقبلها أيضًا.

الأكثر قراءة

z