عائض الأحمد
ليس من خلافٍ على فداحة ما يحدث، ولا على بشاعة المشهد الذي تفرضه إسرائيل منذ زمنٍ طويل.
القضية واضحة حدّ البداهة، والدم لا يحتاج إلى مترجم، والظلم لا ينتظر توصيفًا جديدًا.
لكن ما يُتعب القارئ اليوم، ليس الحدث… بل الطريقة.
أن يُنقل الخبر، فهذا حقّ الناس وواجب الصحافة.
أمّا أن يتحوّل العمود اليومي إلى صراخٍ مكرر، بالمفردات ذاتها، والنبرة ذاتها، والغضب المستهلك ذاته، فهنا لا نكون أمام وعي، بل أمام إنهاك.
القارئ لا يُنكر، ولا يتخاذل، ولا يساوم؛ هو فقط يطلب ألّا يُعامل كذاكرةٍ مثقوبة، تُلقَّن الحقيقة نفسها كل صباح، دون إضافة، دون تحليل، ودون أفق.
القضية لا تحتاج إلى تذكير دائم بجرحها؛ بل إلى قراءةٍ أعمق لأسباب عجزنا عن مداواته. ولا تحتاج إلى رفع الصوت بقدر ما تحتاج إلى توسيع المعنى؛ فالضجيج، مهما كان صادقًا، إن تكرّر بلا فكر، فقد قدرته على التأثير، وتحول من موقف إلى عادة، ومن قضية إلى خلفيةٍ يومية.
القضايا الكبرى لا تُقاس بعلوّ الصوت؛ بل بقدرتها على البقاء حيّة في الوعي.
وفلسطين- بتاريخها ووجعها- أسمى من أن تُستنزف في خطابٍ محفوظ، لا يضيف سؤالًا، ولا يفتح أفقًا.
أكتب هذا وأنا متألم، لا محايد. لكنني، كقارئ، أحتاج إلى نصٍّ يحترم إنسانيتي، لا يُرهقها. إلى كتابةٍ تُفكّرني بالقضية، لا تُخدّر إحساسي بها. أخطر ما في التكرار أنه يخلق اعتيادًا، والاعتياد هو العدوّ الصامت لكل قضيةٍ عادلة. فليس كل صمتٍ تخليًا، ولا كل صراخٍ وعيًا.
تجاوزتُ الستين، وما زلت أفتتح صباحي بالألم، وأختمه بالألم ذاته، والسبب واحد. كلما قلبتُ صفحةً بيضاء، أتاني ذاك «الجهبذ»، بسوادٍ يُغطي عين الشمس، لا جديد لديه، ولا مفيد، سوى نوبةٍ لتصدير ألفاظٍ عفا عليها الزمن. فمن يقول له: كفى… عفاك الله؟
لها: ستعود يومًا، مهما بلغ بك التحليق؛ فالأرض تنتظرك. وقبل ذلك، عليك أن تتقن المشي.
شيء من ذاته: الصمت أبلغُ حكمةٍ في حضرة المتفيقهين.
نقد: سئمنا تكرار هذه العاصفة «الغبيّة»؛ أين المطر؟
