د. صالح بن ناصر القاسمي
مساء شتوي جميل، ونسمات هواء عليل، وهدوء يشجّع على قراءة كتاب مفيد، وكان من حسن طالعي أن يكون كتاب النظرات للمنفلوطي هو ما حظيت به في ذلك المساء الرائع.
عادةً ما أختار مكان الجلوس في الشتاء في فناء المنزل، بعيدًا عن الجدران التي تشعرك بأنك محاصر من كل الجهات، بينما الجلوس في الفناء يجعلك تعيش في الطبيعة لتشاركها الاستمتاع والإحساس بالجمال الرباني، وأنت تنظر إلى لمعان النجوم في السماء وكأنها ثريا معلّقة في سقف المنازل – مع فارق التشبيه – قال تعالى: ﴿وَلَقَدْ زَيَّنَّا السَّمَاءَ الدُّنْيَا بِمَصَابِيحَ﴾ (الملك: 5).
شدّني في الكتاب عنوان "البعوض والإنسان"، وبدأت في قراءته بتركيز واهتمام، لكن البعوض الذي ذكره المنفلوطي في كتابه أبى إلا أن يشاركني جلستي، وينغّص عليّ استمتاعي، فبدأ يطبع قبلاته الحارّة على أطرافي المكشوفة، وبدأت رحلة الحكّ والهرش، وبدأ الانشغال به أكثر من الانشغال بالقراءة. وهنا توقفت قليلًا وتريّثت، وكدت ألغي فقرة القراءة ذلك المساء، إلا أن الفضول جعلني أقرر متابعة القراءة، وقلت في نفسي إنّه ليس من المصادفة أن يقبلني البعوض تلك القبلات الحارّة في الوقت الذي بدأت فيه قراءة هذا الموضوع، إلا إذا كان في الموضوع من المعاني الشيء الجميل، لذلك عدت أدراجي لمتابعة القراءة.
يمتلك المنفلوطي أسلوبًا بلاغيًا راقيًا جدًا في الكتابة، يجعل القارئ يستمتع وهو يتنقل بين فقرات الموضوع. فبعد تلك المقدمة الجميلة والمدخل الشيق، بدأت رحلته مع البعوض، وكيف بدأ طنينه في أذنه. فما أجمله من معنى حين وصف ما أحدثته لدغات البعوض عليه حين قال: "فتفرّق من ذهني ما كان مجتمعًا، وتجمّع من همّي ما كان متفرّقًا".
وكيف دخل مع البعوض في معركة إثبات الوجود، مستخدمًا سلاح المِذَبَّة، ومطاردته إياه في أنحاء الغرفة، لكنه فشل فشلًا ذريعًا، مما استدعاه إلى فتح النوافذ لإخراج ما كان داخلًا، لعلّه يتلطّف ويعتق ويخرج، لكن البعوض استغل الفرصة واستدعى جيش الاحتياط من الخارج للمساندة، فدخل ما كان خارجًا، وبدأت المعركة تصعب على المنفلوطي أكثر. فكيف ينتصر على من كانت قوته أكثر عندما يتفرّق؟ فلو أن البعوض تجمّع في مكان واحد لسهل هزيمته والتخلّص منه، لكن قوته تكمن في تفرّقه.
فوصف المنفلوطي ذلك بعبارة جميلة: (ولم أرَ في حياتي أمةً ينفعها تفرّقها ويؤذيها تجمعها غير أمة البعوض).
وهو يربط تلك الهزيمة أمام أمة البعوض بأن الإنسان ضعيف، ومغترّ بقوته، ومعتدّ بنفسه، ويظن أنه يستطيع أن يطوّع جميع الكائنات كيف يشاء، لكنه يفشل أمام أضعف وأصغر تلك الكائنات، وأدناها قيمةً وشأنًا. فعلى الإنسان أن يعلم ويدرك أن الإنسان الذي يمتلك العقل، والحيوان الذي يعيش بالفطرة، والجماد الأصم، جميعهم عند الله سواء.
لم يجد المنفلوطي حيلة للتغلب على البعوض إلا التحلّي بالصبر، فهو يرى: "أن الصبر حجة العاجز، وحيلة الضعيف، وأيسر ما يستطيع أن يدفع به دافعًا عن نفسه ملامة اللائمين، وفضول المتطفلين".
تمنى المنفلوطي لو أن البعوض يفهم كلامه، لكان شكا إليه وتوسّل إليه الشفقة والعطف، ليمنحه ساعة من الزمان كي يُنجز ما هو منشغل به، ثم يترك البعوض ينال من جسده ما يشاء، ويمتص من دمه ما يروي عطشه، لكن البعوض ليس إنسانًا يمكن إقناعه، فالمثل يقول: صاحب الحاجة أعمى لا يرى إلا قضائها، وحاجة البعوض امتصاص الدماء، وخاصة تلك الدماء السكرية الشبيهة بدمي.
وهنا يربط المنفلوطي بين الإنسان والبعوض، فالإنسان هنا ليس أفضل من البعوض، فكلاهما يشتركان في حب الشر والميل إلى الأذى، ويصف ذلك البعوض بأنه إنسان تقمّص شكل البعوض، فقال: "بل من أين لي أن هذا الذي أحسبه بعوضًا ليس بإنسان تقمّص البعوض وتمثّل لي في جسمه الصغير وجناحه الرقيق؟! وأي غرابة في أن أتخيّل ذلك ما دام الإنسان والبعوض سواءً في حب الشر والميل إلى الأذى؟".
ورغم هذا التشابه بينهما في حب الشر، إلا أن المنفلوطي يرى أن البعوض أفضل بكثير من الإنسان القاتل؛ فالبعوض عند امتصاصه للدم يبقى أخفّ ضررًا من الإنسان القاتل، فهو يمتص من الدماء بقدر حاجته للحياة، بينما الإنسان القاتل يسلب الحياة كاملة.
معانٍ عميقة جدًا يشير إليها المنفلوطي في هذا التصوير العميق والتشابه بين الإنسان والبعوض؛ فهناك صفات كثيرة يشترك فيها الإنسان والبعوض. نذكر منها – بحسب المنفلوطي – أن البعوض يمتص من الدم فوق ما يستطيع احتماله، فيستمر في الشرب حتى ينفجر: (فهو يطلب الحياة عن طريق الموت، ويفتش عن النجاة في مكامن الهلاك)، وهو بهذا يتشابه مع الإنسان شارب الخمر، (يتناول الكأس الأولى منها؛ لأنه يرى فيها وجه سروره وصورة سعادته، فتطمعه الأولى في الثانية، والثانية في الثالثة، ثم لا يزال يُلحّ بالشرب على نفسه حتى يتلفها ويؤدي بها من حيث يظن أن ينعشها).
كما أن الإنسان والبعوض يتشابهان في سوء التصرف؛ فالبعوض لا يقع على الجسم لامتصاص الدماء إلا ويدلّ على نفسه ويفضحها بإصداره ذلك الطنين عند الأذن، فيأخذ الإنسان منه الحذر، إما بطرده أو بقتله. وكذلك الإنسان صاحب المطالب المشروعة المفيدة والحسنة لا يعرف كيف يستعين على قضاء حوائجه بالكتمان، فهو يشيعها حتى يعلم بها القاصي والداني، فتبدأ أعداؤه بالكيد له وإفشال سعيه لامتلاكها، وهنا يصف المنفلوطي حال الإنسان في زمنه الذي يعيش فيه.
يصف المنفلوطي البعوض بأنه خفيف في وطئته، ثقيل في لدغته، وهو شبيه بالإنسان في صحبته؛ ذلك الإنسان الذي إن رأيته سرّك منظره ومظهره، لكنك تجهل مخبره الأسود، يصحبك حتى تأمن له على نفسك، فإذا تمكّن منك سلبك مالك، أو استخدم جاهك، وإذا كنت لست من هذا ولا ذاك، حاول أن يجعلك تسير في طريق تُسقط مروءتك وأخلاقك.
لقد كان المنفلوطي بارعًا في نقل ونقد الواقع الذي كان يعيش فيه، بهدف معالجته وتصحيح أوضاعه، فقد كان محبًا صادقًا أمينًا، ترك بصمة أدبية ذات معانٍ عميقة.
وما يدهش في نصّ المنفلوطي أنه لم يكن حديثًا عن بعوضٍ عابر، بقدر ما كان كشفًا دقيقًا لطبائع بشرية تتكرّر في كل زمان. فذلك الطنين الذي أزعجه في غرفته، ما زال يطنّ في حياتنا بأشكال مختلفة، وأسماء مختلفة، لكنه يحمل الأذى ذاته، والغفلة ذاتها، والغرور نفسه. وربما لهذا بقي نصّه حيًّا، لأن البعوض لم يتغيّر، ولأن الإنسان – في كثير من أحواله – ما زال يظن نفسه أقوى مما هو عليه.
إنها كتابة لا تسخر لمجرد السخرية، ولا تنتقد من علٍ، بل تضع الإنسان أمام مرآته، وتدعوه بهدوء لأن يتواضع، ويفهم، ويُصلح قبل أن يظنّ أنه قادر على كل شيء.
