الصهيونية العالمية قبل "الطوفان" وبعده

 

 

 

علي بن مسعود المعشني

ali95312606@gmail.com

بتاريخ 28 يونيو 1914، قام الشاب غافريلو برينسيب (19عامًا)، وهو صربي من البوسنة وعضو في حركة "البوسنة الشابة" المتطرفة، باغتيال الأرشيدوق فرانتتس فرديناند ولي عهد النمسا وزوجته بمدينة سراييفو، بدافع توحيد الصرب السلاف وتحرير البوسنة من الحكم النمساوي؛ حيث كان يراه احتلالًا.

أطلق برينسيب النَّار من مسدس على سيارة الأرشيدوق المكشوفة بعد فشل محاولة اغتيال بقنبلة في صباح نفس اليوم من قبل شركائه. الهدف اغتيال ولي عهد النمسا وإكراه بلاده على الانسحاب من احتلال البوسنة كما اعتقد الجُناة، والنتيجة حربين أوروبيتين (عالميتين)، أتتا على الأخضر واليابس ليس في جغرافية أوروبا فحسب، بل في جغرافيات أخرى مُختلفة كذلك.

المراد من استعادة هذا المثال التاريخي، هو الاستدلال على حجم الفجوة بين الأهداف والنتائج، فليس بالضرورة أن يتوقف الحدث عند الهدف، والسيطرة الكاملة عليه؛ بل في انفراط النتائج وعدم السيطرة عليها، وعدم حسبانها في كثير من الأحيان، فتأتي كارثية وتتفوق على الهدف؛ بل وتجعله خطيئة كبرى.

وإذا طوينا صفحات التاريخ الحديث سريعًا وسلطنا الضوء على حدث مشابه لزلزال خطيئة سراييفو اليوم، مع اختلاف الزمان والمكان والفاعلين، والأهداف والنتائج، فسنجد أن "طوفان الأقصى" أو السابع من أكتوبر 2023، أو "السبت الأسود" كما أطلق عليه الصهاينة، كان مفصلًا تاريخيًا حادًا، حقق الهدف من حيث إبراز حقيقة هشاشة العدو، وسقوط سردياته التي تستر خلفها لعقود في حربه الوجودية معنا، وحقق نتائج كارثية على العدو ورعاته، وأعاد رسم وهندسة خارطة الأحداث إقليميًا ودوليًا، وحدد قواعد الاشتباك الناجعة والحقيقية مع العدو ورعاته.

"طوفان الأقصى" لم يجعل فقط من جغرافية العدو- فلسطين المحتلة- مسرحًا مفتوحًا للعمليات العسكرية المُباشرة، من غزة ولبنان والعراق واليمن، وختمتها إيران، في مشهد لم يعشه الكيان الغاصب منذ عقود خلت، ولم يُسقط سرديات الجيش الذي لا يُقهر والموساد اليد الطولى وحسب؛ بل أخرج الكيان برمته من الفاعلية والخدمة وحل محله الرعاة على الجبهات المباشرة لإنقاذ ما تبقى منه.

لم يعترف العدو- ولا رعاته بطبيعة الحال- بكارثية الطوفان ونتائجه عليهم، ولكن لسان الحال وحراك الرُعاة وانكشاف مخططاتهم وبروزها على السطح أظهر كل ما كان مبيتًا ومخفيًا لعقود خلت.

الصهيونية العالمية اليوم في أرذل العمر، بعد أن تكشفت وانكشفت للعالم قاطبة بفعل طوفان الأقصى وثورة الإعلام الاجتماعي حول العالم؛ حيث تصدرت قضية فلسطين ومظلوميتها المشهد العالمي في القارات الخمس ولأوَّل مرة وبزخم منقطع النظير، وهو ما جعل من المخطط الصهيوني واستثماره المسمى بـ"إسرائيل" تحت المجهر وفي مهب الريح.

لم يكن التوافق الدولي على إسقاط دمشق فجأة بعد عقود من الصمود الأسطوري في وجه مُخطط كوني كبير، ومقايضتها بـ"تل أبيب" سوى مُؤشر كبير على ما وصل إليه حال الكيان في تفاصيل طوفان الأقصى ويومياته.

واليوم تُكشِّر الصهيونية عن أنيابها وتُواجه العالم مُكرَهة وتُشهِر حقيقة نواياها ووجهها الحقيقي وتُعيد إنتاج نفسها على السطح، بعد تعريتها وانكشافها أمام العالم معتقدة بأن محور المقاومة وفصائله في أوهن حالاته، وأن الوقت مثالي للاستعراض وتجاوز الطوفان وآثاره، بينما الواقع يقول إن محور المقاومة ما يزال متماسكًا وفاعلًا ومؤثرًا، وغير مُبالٍ بالبروجاندا والصخب من حوله؛ كونه يعلم أن "المنتصر" عادةً لا يُفاوض، ولا يُطالب باتفاقيات وقف إطلاق نار وتبادل أسرى، كما لا يحتاج إلى موفدين ومبعوثين ووسطاء مع الآخر!!

قبل اللقاء.. من يقرأ التاريخ، يقرأ المستقبل.

وبالشكر تدوم النِعَم.

الأكثر قراءة

z