واشنطن وسياسة خفض العداوات والمخاطر

 

 

 

علي بن مسعود المعشني

ali95312606@gmail.com

من يتابع السياسات الأمريكية في زمن ترامب، يلاحظ أنها لا تستثني جغرافية بعينها ولا حليفاً أو خصماً أو عدواً، وهذا الأمر يبدو غريبًا وغير مفهوم في قواعد العلاقات الدولية؛ حيث دأب العالم على رؤية خصومات ومواجهات بين المتناقضين والمختلفين في المصالح والمبادئ والأهداف، ولكن أمريكا في زمن ترامب وزعت الخصومات والمواجهات على الحلفاء والخصوم والأعداء معًا.

فهي على مواجهة شرقًا مع روسيا والصين، وعلى مواجهة كذلك مع مجموعة بريكس ومجموعة شنجهاي، وتغاضت عن قصف قاعدة العديد بقطر من قبل إيران والكيان المؤقت، واليوم تواجه الحليف الأوروبي عبر ملفي جرينلاند وكندا.

كما صعدت الخلافات مع أمريكا الجنوبية عبر بوابة فنزويلا، وفتحت الباب على مصراعيه في مواجهة الشرعية الدولية والقانون الدولي عبر بوابة اختطاف الرئيس الفنزويلي نيكولاس مادورو.

يبدو على السطح أن أمريكا قررت مواجهة العالم، ولكن في المقابل يمكن أن تُقرأ هذه التطورات من زاوية أخرى وغير مألوفة، وهي سياسة خفض العداوات والتقليل من المخاطر؛ فأمريكا- بلا شك- تستشعر الزوال، وتستشعر قبل ذلك اتساع رقعة الثأرات منها وحجم العداوات ضدها، لذلك لم تجد من سبيل سوى اختراق تلك العداوات والثأرات قبل تشكلها النهائي وتعاظمها، والعمل على تخفيضها والحد من مخاطرها عليها، حتى وإن تطلب الأمر مواجهة الحلفاء والأصدقاء والتضحية ببعض المصالح في سبيل إعادة رسم الأولويات والمصالح.

أمريكا- وعبر ملف أزمة فنزويلا- فتحت باب حوار مع فنزويلا نفسها وكولومبيا وسيتسع هذا التفاهم لتعود أمريكا الجنوبية كحليف لأمريكا بدلًا من كونها حديقة خلفية.

وأمريكا تسعى بكل جهدها إلى تأخير تفاعل مجموعة بريكس وخاصة على صعيد سك عملتها الموحدة بعد نجاح التبادل التجاري بين أعضاء المجموعة بالعملات المحلية؛ الأمر الذي شكل تهديدًا حقيقيًا لمنظومة البترودولار التي سادت العالم لعقود خلت.

سيسعى الأمريكي اليوم نحو الغرب والمتمثل في أمريكا الجنوبية، ولا بُد له من تنمية وتوثيق علاقاته به، بعد أن تيقَّن من فقده التدريجي للشرق المتمثل في آسيا، ومؤشرات فقده للوسط الحيوي المتمثل في أوروبا بعد أزمة جرينلاند، وكذلك مؤشر فقده لذراعه العسكري المتمثل في الناتو بعد تصعيده مع كندا.

فما كان يربط أوروبا بأمريكا ليس حلفًا توافقيًا؛ بل تحالف الضرورة، وبالتالي حين ينظر كل طرف إلى مصالحه الحيوية سيجد نفسه في صدام الضرورة مع الآخر، والعملة الموحدة للاتحاد الأوروبي المتمثلة في اليورو مثال حي على هذا الصدام. المشكلة اليوم في تقديري ليست في مواجهة العالم لأمريكا أو العكس؛ بل في مواجهة أمريكا مع نفسها وإعادة النظر في تعريف مصالحها ونوع حلفائها.

قبل اللقاء.. من القواعد "المهجورة" في العلاقات الدولية، افتعال أزمات مع الأعداء والخصوم لفتح باب حوار تُطرح فيه ملفات مصالح، وتُغلق فيه ملفات خلافات كذلك، وتكون بداية صفحة جديدة في العلاقات.

وبالشكر تدوم النِعَم.

الأكثر قراءة

z