قضية العاطلين عن العمل..  بين الحق المشروع وخطر التسييس

 

 

 

عبدالنبي الشعلة

 

لا يمكن لأي منصف في البحرين أن ينكر وجود بطالة، أو أن يتجاهل حقيقة وجود شريحة من المواطنين تبحث عن فرص عمل وتجد صعوبة في الاندماج السريع في سوق العمل. فالبطالة ظاهرة عالمية لا تخلو منها أي دولة، حتى في أكثر الاقتصادات نموًا وتقدمًا واستقرارًا. وهي، قبل أن تكون رقمًا في الإحصاءات، حالة إنسانية ونفسية واجتماعية ثقيلة الوطأة على الفرد وأسرته ومحيطه.

 

ولا يوجد في البحرين، من أعلى قمة القيادة إلى أدنى مستوى في المجتمع، من يستطيع أن يتنكر لمعاناة العاطل عن العمل أو أن يقلل من أبعادها المادية والنفسية والمعنوية. مجتمعنا صغير ومترابط، ووشائجه الاجتماعية والإنسانية عميقة، ولذلك تبقى هذه القضية حاضرة في وجدان الجميع. المسؤول يشعر بثقلها، والتاجر يدرك تبعاتها الاقتصادية، والمواطن يراها في محيطه القريب. والكل يعرف أن العاطلين عن العمل لا يمثلون عبئًا فحسب، بل يمثلون طاقة إنتاجية معطلة، وقوة شرائية مهدورة، وفرصة تنموية مؤجلة.

 

ومن هذا المنطلق، فإنَّ الحديث عن البطالة يجب أن يكون حديثًا مسؤولًا، يوازن بين الإقرار الكامل بحق العاطلين في العمل الكريم، وبين الحذر من تحويل هذه المعاناة الإنسانية إلى أداة صراع سياسي أو وسيلة للتأجيج والتوظيف الدعائي. فالتجارب في كل مكان تقول إن أول من يستثمر في تفاقم البطالة، وأول من يحرص على تضخيمها خارج سياقها الواقعي، هم المتسيّسون والقوى المعارضة للحكومات، لأنهم يجدون فيها مادة جاهزة لإحراج الدولة، وبث الإحباط، وإثارة الاحتقان، وتغذية الشارع بالشعارات والانفعالات بدل الحلول الواقعية.

 

أقول ذلك لا بقصد التقليل من خطورة البطالة، ولا لتبرير أي تقصير أو تباطؤ في معالجتها، بل بقصد حماية هذه القضية العادلة من أن تُختطف وتُستغل، لأن العاطل عن العمل يستحق أن يكون صاحب حق، لا أن يتحول إلى أداة في صراع سياسي لا يخدمه ولا يحل مشكلته.

 

وأنا أخاطب شريحة العاطلين والباحثين عن عمل اليوم، فإنني أفعل ذلك من موقع تجربة شخصية ومهنية طويلة. فقد كنت يومًا باحثًا عن عمل، وعاملًا، وموظفًا، وعرفت معنى القلق على المستقبل، وأدركت قيمة الفرصة حين تأتي. كما عايشت هذه القضية لأكثر من أربعة عقود من مواقع متعددة: من مجلس إدارة غرفة تجارة وصناعة البحرين، حيث تترسخ القناعة بأن الإنسان هو الثروة الحقيقية، وأن العامل هو أهم عناصر الإنتاج، وأن المواطن العاطل يمثل طاقة مشلولة يجب تحريرها لا تهميشها.

 

ثم من موقع مجلس الشورى، حيث اقتربت أكثر من فهم رؤية الدولة للبطالة، والجهود التي تبذلها الحكومة لمحاصرتها عبر التشريعات، وتهيئة بيئة الاستثمار، واستقطاب المشاريع، وتوسيع قاعدة الاقتصاد المنتج. صحيح أن الحاجة إلى المزيد من الجهد كانت قائمة دائمًا، لكنها لم تكن يومًا غائبة عن الوعي الرسمي.

 

ولعل هذا الاهتمام المتواصل بقضية العمالة والبطالة كان أحد الأسباب التي أدت إلى اختياري وزيرًا للعمل والشؤون الاجتماعية في العام 1995، في فترة كانت من أكثر المراحل حساسية في هذا الملف. ومن واجب الأمانة أن أقول، بكل وضوح وتجرد، إن التعليمات التي تلقيتها من القيادة كانت صريحة وصارمة: بذل كل ما يمكن من جهد لتسهيل اندماج البحرينيين في سوق العمل، خصوصًا في القطاع الخاص، لأن التوظيف الحكومي له أطره ومسؤولياته الإدارية الخاصة.

 

وأشهد، دون تردد، أن القيادة العليا ورئاسة مجلس الوزراء كانت وما تزال تدعم كل البرامج الهادفة إلى تدريب وتأهيل وإدماج العمالة الوطنية، وأن هذا الدعم اليوم أوسع وأشمل وأكثر تطورًا مما كان عليه في السابق. كما أشهد أن من تولوا هذه الوزارة بعدي لم يكونوا أقل إخلاصًا أو جهدًا، بل طوروا السياسات، ووسعوا البرامج، ورفعوا سقف الطموح في مواجهة هذه المشكلة المعقدة.

 

أقول ذلك للعاطلين اليوم لا لأطالبهم بالصبر السلبي، ولا لأطلب منهم السكوت عن حقهم المشروع، بل لأحذرهم من الانسياق خلف من يريد استثمار معاناتهم، وتغليفها بشعارات صاخبة لا تقدم حلًا حقيقيًا. فلا توجد حكومة في العالم، ولا دولة عاقلة، ترى مصلحة لها في استمرار البطالة أو تفاقمها، لأن البطالة تعني ضعفًا اقتصاديًا واضطرابًا اجتماعيًا واستنزافًا للطاقات.

 

وفي الوقت نفسه، من المهم أن نضع هذه القضية في سياقها العالمي والإقليمي. فالعالم اليوم يمر بتحولات اقتصادية وسياسية كبرى، ومنطقتنا الخليجية ليست بمعزل عنها. تقلبات الأسواق، وتغير أنماط العمل، وتسارع التكنولوجيا، والتحولات الجيوسياسية، وهجمة الذكاء الاصطناعي، كلها عوامل تضغط على سوق العمل وتعيد تشكيله. ولذلك فإن معالجة البطالة لم تعد مهمة تقليدية، بل أصبحت عملية معقدة تحتاج إلى سياسات مرنة، وتعليم متجدد، وتدريب نوعي، وشراكة حقيقية بين الدولة والقطاع الخاص.

 

وفي هذا الإطار، لا يمكن تجاهل الدور المتنامي الذي تقوم به مؤسسات مثل “تمكين”، والتي ضاعفت برامجها في التدريب والدعم، وساهمت في رفع كفاءة البحرينيين، ودعمت رفع أجورهم في القطاع الخاص، وقدمت حوافز للمؤسسات التي تلتزم بتوظيف المواطنين وتطويرهم، وربطت هذا الدعم بمدى نجاح تلك المؤسسات في زيادة نسب البحرنة وتحقيق الاستدامة الوظيفية.

 

هذه السياسات لا تعني أن الطريق مفروش بالورود، ولا أن النتائج فورية، لكنها تعني أن هناك إرادة جادة، وعملًا متواصلًا، ومسارًا يتطور ويُراجَع ويُحسَّن باستمرار. والمطلوب اليوم ليس جلد الذات، ولا رفع سقف الاتهام، بل تعزيز الثقة المتبادلة، وتحفيز الحوار الصادق بين الدولة والقطاع الخاص والشباب الباحثين عن عمل.

 

فقضية البطالة ليست ساحة لتسجيل النقاط السياسية، بل ميدان لبناء الشراكة الوطنية. وهي لا تُحل بالصراخ ولا بالتخوين، بل بالعمل، والتدريب، والانضباط، وتطوير المهارات، والانفتاح على متطلبات السوق المتغيرة، وفي المقابل بتوسيع فرص التوظيف، وتحفيز الاستثمار، ورفع جاذبية القطاع الخاص للمواطن البحريني.

 

إن قضية العاطلين عن العمل في البحرين هي حق مشروع، وملف وطني حساس، ومسؤولية مشتركة. وهي تستحق أن تُناقش بعقل راكد وقلب دافئ، لا أن تُستغل بعقل غاضب وقلب مأزوم. إن حق العاطل محفوظ، ومطالبه عادلة، وصوته مسموع، لكن حمايته الحقيقية تكمن في أن يبقى هذا الصوت نقيًا، غير مختطف، وغير مسيّس. فحين نحمي قضيته من التسييس، نكون قد اقتربنا خطوة حقيقية من حلها، لا من تعقيدها.

 

 

الأكثر قراءة

z