سلطان بن خلفان اليحيائي
ليست شبيهة بسواها ولا تُقاس بغيرها ولا تُختصر في وصفٍ عابر. هي استثناء حين تتشابه الدول وفريدة حين تتكاثر النسخ. لا تؤمن بالصراخ ولا تستدرجها لغة الدعايات لكنها تمتلك صمتًا واعيًا؛ صمتٌ إذا نطق أربك الخطابات وإذا حضر سبق العواصف.
هدوؤها ليس سكونًا؛ بل فعلٌ محسوب وقرارٌ عميق ونَفَسٌ طويل يدرك أن ما يُبنى بالحكمة أرسخ ممّا يُفرض بالقوّة.
وفي عالمٍ تعلو فيه الأنا وتختلط فيه المقاصد حتى تفقد المعاني معناها اختارت عُمان أن تتقدّم بخطى ثابتة؛ لا تُسرع فتتعثر ولا تتأخر فتغيب. ومن هذا الاتزان النادر ومن رؤيةٍ ترى أبعد من اللحظة تبوّأت مكانتها المستحقّة بين دول العالم كيانًا راسخًا وموقفًا موثوقًا وحضورًا لا يحتاج إلى استعراض.
تعاقبت الأزمنة وتبدّلت الخرائط واشتدّت الفتن وبقيت عُمان وفيّة لجوهرها. لم تكن يومًا وقودًا للصراعات ولا منصّة لتأجيج الخلافات؛ بل ظلّت تمشي على خيطٍ دقيق بين الثبات والمرونة؛ تحفظ توازنها دون أن تميل وتصون علاقاتها دون أن تُفرّط في مبادئها. حيادها لم يكن انسحابًا من المسؤولية؛ بل اختيارًا واعيًا وانسجامًا راسخًا وإدراكًا عميقًا بأنّ السلام لا يُصنع بالاصطفاف الأعمى؛ بل بالحضور الحكيم.
سمعنا من بعضهم من ينعتون عُمان بالصمت في مواقف كثيرة وما عرف هؤلاء أنّ الصمت سِمة الحكماء لا سيّما حين يشتدّ الهرج والمرج. فصمتها ليس فراغًا؛ بل امتلاء وحيادها ليس انسحابًا؛ بل حضورٌ واعٍ. مواقفها دقيقة؛ تعرف متى تتكلّم ومتى يكون الصمت أبلغ من ألف تصريح. ولهذا بقيت جسورها ممتدّة حتى في أشدّ لحظات القطيعة وظلّ اسمها مرادفًا للثقة لا للاستقطاب.
وتتجلّى فرادة عُمان في سياستها الخارجية؛ سياسة دافئة لا تصرخ ولا تستعرض القوّة لكنها واضحة وصادقة قائمة على الاحترام المتبادل والحكمة في إدارة العلاقات. لا تمارس النفوذ على حساب الآخرين ولا توظّف الأزمات وسيلة لتأمين مصالحها؛ بل توازن بين المبادئ والواقع وبين الاستقلال والالتزام الإنساني.
في زمنٍ تُفرض فيه القرارات الكبرى بإرادةٍ واحدة وتوقيعٍ واحد وغالبًا على حساب شعوبٍ لا حول لها ولا قوّة تبرز قيمة هذا النهج العُماني. حين يُدار العالم بمنطق السيطرة والانقياد تبقى عُمان مساحةً للعقل وملجأً للحوار وصوتًا هادئًا في زمنٍ مكتظّ بالأصوات المتنافرة والجلبة المُضلِّلة. هدوؤها الصامت ودفء سياستها المتّزنة يثبتان أنّ النفوذ الحقيقي يُبنى بالثقة والحكمة لا بالخوف والقهر.
وعُمان في جوهرها كالشجرة الطيّبة؛ أصلها ثابت وفرعها في السماء. كثيرًا ما رُميت بالتُّهم وتعرّضت لسوء الظن لكنها لم تنشغل بالرد ولم تنحدر إلى المهاترة؛ بل صبرت وأثمرت خيرًا. تتحمّل ما يُلقى عليها من حجارة الاتهام فلا يسقط منها إلا الثمر الطيّب. ولا يضيرها غرابٌ عابر يحطّ على غصن ينعق ثم يمضي؛ فالأشجار الراسخة لا تُقاس بأصوات العابرين؛ بل بما تمنحه من ظلٍّ وأمان وبما تتركه من أثرٍ باقٍ في الأرض والزمان. فليس كلّ ناعقٍ صاحبَ أثر ولا كلّ صامتٍ غائبًا عن الفعل.
عُمان صانعةُ السلام الصامت تمضي كما اعتادت بثبات جبليها شمس وسمحان وعمق وغزارة بحرها ونقاء وصفاء نواياها. لا تبحث عن مجدٍ عابر ولا عن انتصارٍ مؤقّت؛ بل عن سلامٍ حقيقي قد يتأخّر لكنه حين يأتي يكون أكثر رسوخًا. وحين يكتب الآخرون مواقفهم بضجيج الفوضى تكتب عُمان أثرها بالحكمة. ويكفي.
وخير الكلام ما قلّ ودلّ.
