عيسى الغساني
الإنسان كائن اجتماعي، بمعنى أنَّه من غير المتصوَّر أن يعيش الإنسان وحيدًا ومنعزلًا؛ فالاحتياج المتبادل بين البشر يقتضي، بحكم الضرورة، أن يحيا الإنسان في أسرة ومجتمع أوسع، ليستجيب لاحتياجاته الأساسية والكمالية للبقاء والعيش؛ سواء كانت هذه الاحتياجات مادية أم نفسية. فالمجتمع، في جوهره، هو العمود الفقري لحياة الإنسان.
وهنا يبرز نوع المجتمع وكيفية تنظيمه لذاته، سواء على نحوٍ ميكانيكي أو عضوي، أو في مزيجٍ يجمع بين الاثنين. والمجتمع القِيَمي هو الأسمى في المجتمعات الإنسانية، وفيه تتمحور القيم حول العدالة، والكرامة الإنسانية، والمسؤولية الأخلاقية، والتضامن. وتتناقض هذه القيم مع الفردانية المفرطة، والانتهازية، والعنف الرمزي أو المادي، وضمور المسؤولية الفردية تجاه المجموع. ويُوصَف هذا النمط الأخير بأنَّه مُجتمع شكلي، نفعي، ومفكك.
ومن أبرز سمات هذا التفكك الاجتماعي التعصب والعنصرية. فماذا تعني العنصرية؟ وما أسبابها؟ وما آثارها؟
العنصرية هي اعتقاد أو سلوك قائم على فكرة أن فردًا أو جماعةً أسمى من غيرها، وهو وهمُ تفوقٍ يتحوّل إلى ظلمٍ مُنظّم، فاسدٍ أخلاقيًا، مدمّرٍ اجتماعيًا، ومرفوضٍ إنسانيًا.
وعندما تتحول العنصرية إلى بنية فكرية مرضية، فإنها تقوم على نفي الآخر، وتغذية وهم التفوق، وجعل الاختلاف أداة إقصاء وصراع. وهذا الإقصاء هو في جوهره إنكار لحقيقة إنسانية أصيلة، وهي أنَّ البشر متساوون في الكرامة والقيمة، وإن اختلفوا في اللون أو اللغة أو الثقافة.
ومعنى العنصرية يتجاوز مجرد التفرقة السلوكية، ليشمل التصنيف القيمي للإنسان؛ فالعنصري لا يرى الفرد كإنسان كامل، بل كـ«انتماء»، ويمنحه أو يسلبه قيمته بناءً على هذا الانتماء. وهنا تتحول الفكرة إلى مُمارسة، والممارسة إلى نظام، والنظام إلى عنفٍ مقنَّع أو صريح.
أما جذور هذا الفكر المنحرف فهي مزيج من عناصر نفسية واجتماعية ونفعية، وهو في الأصل ظاهرة مركبة تنبع من الخوف، وضعف الوعي، والعجز الفكري الذي يولِّد شعورًا زائفًا بالتفوق. والمؤسف حقًا أنَّ غذاء هذا التفوق الوهمي هو تنشئة اجتماعية مشوَّهة، تُهمَّش فيها قيم العمل الجاد، والاجتهاد، والتفوق العلمي، والكرامة الإنسانية- وهي الأساس الحقيقي لنهوض الأمم- ليُستبدل بها وهمٌ لا ينتج سوى هدر الطاقات، وتعطيل مسارات التقدم، وتفكيك الترابط الإنساني المنتج.
لكن الأخطر من ذلك أن العنصرية تدمّر صاحبها من الداخل قبل أن تصيب ضحيتها؛ فهي تُنتج عقلًا منغلقًا، قلقًا، وعدائيًا، يعيش في صراع دائم مع الواقع. ومن الناحية الأخلاقية، تُسقط العنصرية مبدأ العدل، وتحول الظلم إلى «حق»، وتستبدل الضمير الجمعي بمنطق الغلبة. أما اجتماعيًا، فهي تمزق النسيج الاجتماعي، وتحول التنوع- الذي هو مصدر قوة- إلى تهديد دائم.
وقد أنتجت حركات مثل «كو كلوكس كلان» في الولايات المتحدة عنفًا وانقسامًا اجتماعيًا عميقًا، وأعادت إنتاج نفسها اليوم في نماذج تفوق العرق الأبيض والنازية الجديدة، التي تنشر الكراهية والعنصرية. فكل حركة عنصرية تبدأ بشعار هوية، وتنتهي بواقع من التفكك والعنف والسقوط الأخلاقي.
إنَّ العنصرية سُمٌّ زعاف يبدأ فكرةً، ويتحول ممارسةً، وينتهي خرابًا. ومواجهتها ليست ترفًا فكريًا ولا مجرد شعار أخلاقي، بل ضرورة إنسانية لحماية الفرد والمجتمع؛ فالإنسان لا يُقاس بما يفرّقه عن غيره؛ بل بما يجمعه بهم، وحيث يُعترف بالإنسان لإنسانيته يولد السلام، وحيث يُختزل في عرقه أو لونه يبدأ الانهيار.
