أضرار اعتراف إسرائيل بالحركة الانفصالية في الصومال

 

 

 

د. عبدالله الأشعل **

في الستينيات من القرن الماضي كنَّا ندرس أنَّ إسرائيل تتسلل إلى إفريقيا. كان ذلك عندما كانت مصر الناصرية لم تترك لإسرائيل موطئ قدم في إفريقيا، ولما تراجعت مصر في عصر السادات في إفريقيا توحشت إسرائيل وتمددت في إفريقيا بدعم أمريكي وغربي.

وفي عام 1991 ظهرت الحركة الانفصالية في الصومال ووقفت إفريقيا لمحاربة الانفصال والتدخل في الشؤون الداخلية للدول الإفريقية، ولم تكن تعترف بأرض الصومال سوى تايوان بدعم أمريكي إسرائيلي.

ولمَّا تغيرت الخريطة السياسية لإفريقيا بخروج مصر التي حاولت تسويق التقارب مع إسرائيل في إفريقيا، وكانت إفريقيا اتخذت موقفًا صلبًا عام 1973؛ حيث قطعت علاقاتها بإسرائيل أكثر من 20 دولة إفريقية تضامنًا مع مصر الإفريقية. ولم يعلم الأفارقة أن مصر السادات تختلف تمامًا عن مصر عبد الناصر؛ حيث حاول السادات تسويق التقارب بين إفريقيا وإسرائيل، ولكن إفريقيا استعصت على إسرائيل. وتغيرت الخريطة السياسية لإفريقيا، فبعد أن كانت تحتكرها أمريكا وفرنسا وبريطانيا أصبحت الصين أقوى حليف لإفريقيا، ثم إيران وتركيا، ولابد أن هذه الدول سوف تسعى إلى محاربة إسرائيل في إفريقيا.

وفي أوائل ديسمبر 2025 اعترفت إسرائيل بالحركة الانفصالية في الصومال، وهذا الاعتراف يعتبر تحديًا للأفارقة والعرب، ولعل هذه فرصة لكي يعود التضامن العربي الإفريقي مرة أخرى في وجه إسرائيل. ونحصر فيما يلي الآثار الضارة إفريقيًا وعربيًا بسبب هذا التقارب:

أولًا: يعتبر اعتراف إسرائيل بأرض الصومال إهدارًا للقانون الإفريقي وقرارات الاتحاد الإفريقي التي تحاول أن تحافظ على الوحدة الإقليمية للدول، ولذلك نفهم رد فعل الصومال العنيف في مجلس الأمن تجاه هذا العمل.

ثانيًا: يعتبر هذا الاعتراف خرقًا للقانون الدولي وميثاق الأمم المتحدة الذي ينص على سيادة الدول وعدم التدخل في الشؤون الداخلية للدول. معنى ذلك أن الاعتراف الإسرائيلي يناقض القانون الدولي والميثاق والقانون الإفريقي. ولابد أن ننتظر انتهاء مناقشات مجلس الأمن حول هذا العمل، وفي الغالب سوف تستخدم واشنطن الفيتو لحماية إسرائيل من النقد.

ثالثًا: أن إسرائيل تهدف من هذا الاعتراف إلى السيطرة على باب المندب والإضرار بقناة السويس، كما أن إنشاء قواعد عسكرية إسرائيلية في أرض الصومال يمكن إسرائيل من ضرب الحوثيين، ولذلك توعد الحوثيون إسرائيل بأنهم سوف يستهدفون أي أهداف إسرائيلية عسكرية في أرض الصومال.

رابعًا: أن القانون الدولي يحظر على إسرائيل تهجير الفلسطينيين من أرضهم قسرًا، والتهجير القسري يعتبر جريمة حرب وفقًا لميثاق روما. وتريد إسرائيل استخدام أرض الصومال والحركة الانفصالية لتهجير الفلسطينيين إليها.

خامسًا: من خلال القواعد العسكرية الإسرائيلية في أرض الصومال يمكن أن تتعاون واشنطن مع إسرائيل في التحكم في الملاحة في البحر الأحمر.

سادسًا: لا شك أن التدخل في الشؤون الداخلية للدول الإفريقية لابد أن تتصدى له مجموعة الدول الإفريقية في الاتحاد الإفريقي، وهدف إسرائيل توسيع نفوذها في إفريقيا لمواجهة إيران وتركيا. ومن واجب هذه الدول مع الصين وروسيا التصدي للخطوة الإسرائيلية.

سابعًا: أن مصر الأقدر على مواجهة إسرائيل لو تغلبت على القيود التي تقيدها في إفريقيا وفي مواجهة إسرائيل والولايات المتحدة. وهذه فرصة مصر للانطلاق لتحتل دورها المرموق في إفريقيا، فهي دولة إفريقية تحرس البوابة الشمالية الشرقية لإفريقيا ويجب أن تسهم في السياسات الإفريقية بجدية. وعندما كنتُ أخدمُ في السفارات المصرية في إفريقيا في السبعينيات من القرن الماضي وفي نهاية الألفية الثانية في إفريقيا، قدمنا مُقترحات عديدة لاستعادة مصر مركزها الإفريقي. ويجب على مصر أن تتعاون مع الدول الإفريقية الرئيسية، خاصة وأن تحالف إسرائيل مع أرض الصومال يقترب من إثيوبيا، وطالما إثيوبيا تعتدى على حقوق مصر المائية، ومصر لديها اتفاقية تحالف دفاعي مع الحكومة المركزية في الصومال، فيجب على مصر أن تكون جادة في مواجهة إسرائيل لأنها تعتدي على المصالح المصرية الحيوية دون أن تلتفت إلى الضغوط الأمريكية لصالح إسرائيل.

إنَّ اعتراف إسرائيل بالحركة الانفصالية في الصومال أخشى أن يُعتبر سابقة لتشجيع الحركات الانفصالية في إفريقيا، خاصة وأن معظم الدول الإفريقية هشة وقابلة للانقسام، وتُهدد هذه الخطوة وحدة الدول الإفريقية وبقاءها. فيجب على إفريقيا والعرب أن يتحدوا معًا للتصدي لإسرائيل، خاصة وأن الآثار الضارة سوف تلحق بمصر بالذات واليمن وبقية الدول الإفريقية.

**  أستاذ القانون الدولي ومساعد وزير الخارجية المصري سابقًا

الأكثر قراءة

z