راشد بن حميد الراشدي
منظومة دول مجلس التعاون الخليجي التي فككتها أمواج الفتن وتجاذبات السنين وغيرها من الأسباب الجوهرية التي تآكلت مع الأحداث التي شهدتها المنطقة فما بقي منها سوى تلك البيانات والإعلانات التي تصدر بلا تأثير أو خطط عملية لصالحها وصالح المنطقة ومع الثروات التي تمتلكها تفنن الغرب في إشعال الأزمات من حولها كسبًا للمال ونهباً للثروات حتى أصبحت سلة البيض التي يتغذى من خيراتها العالم أجمع.
نحن اليوم لسنا في مقام العتب وذكر الماضي فقد ولّى وذهب.. نحن اليوم في مجال تقييم وتنظيم الأمور لمستقبل إما عزة فيه وكرامة أو سقوط إلى الأبد.
الحروب والأزمات المتتالية والتبعات والتحالفات التي استندت دول الخليج لحمايتها والذود عنها قد ولت للأبد وتبخرت، مع ما تمر عليه المنطقة، وخاصة دول الخليج، خلال هذه المرحلة الحساسة من فظائع الأمور، بعد اكتشافها ومعرفة بواطن أمورها، من خلال تلك الاتفاقيات العسكرية التي ذهبت أدراج الرياح؛ حيث محص الله الصديق من العدو، ومحص الحق الذي يجب أن يكون من الباطل الذي كان، فلا يحك ظهرك إلا ظفرك، ولن ينفعك سوى إخوتك في الدين واللغة والعقيدة إذا أخلصوا؛ فالحياة ميدان تجارب، أثبت فيها أصدقاء المصلحة- بعد أن هربوا من ساحة المعركة- أن مصلحتهم هي الدفاع عن مصالحهم وليس دولنا لننال الخديعة والمكر منهم.
إن المصائب تكشف بواطن الأمور وتعرفك بالحق الذي يُتبع، من الباطل الذي يُترك؛ حيث يجب على دول الخليج العربي اليوم أن توحد الجهود في سبيل عيشها بسلام وأمن وأمان واحترام من جميع الدول التي لا تعرفها إلا بالمصلحة وبعيدا عن العاطفة والمجاملات التي جاءت بالخراب عليها؛ وهذا يفرض الضرورات التالية:
أولًا: يجب أن تكون هناك استقلالية للقرار الأمني والسياسي لدول الخليج مع الحفاظ على وحدتها بعيدا عن التبعية لأي دولة من دول العالم.
ثانيًا: العمل على تشكيل قوة عسكرية ضاربة تكون ذات أسس واضحة مبنية على شروط تعوض التحالفات السابقة وتسعى لحماية أمنها ووضع مبادئها "أين ومتى يتم استخدامها"، إذا ما تعرضت دول الخليج- لا قدر الله- للاعتداء من أي مُعتدٍ، وكذلك الدفاع عن مصالح الخليج وعدم السماح لأي طرف خارجي بالتدخل من أجل حماية الدول والوصاية عليها، وعدم توقيع الاتفاقيات الأمنية مع أي طرف خارجي يعمل من أجل تسيد المواقف واستغلال الخليج عبر النفوذ والشروط التي يفرضها والتي ذهب عهدها، فلا تصعيد ينطلق من أراضي الخليج نحو جيرانها أو شعوب المنطقة.
ثالثًا: تحويل التعاون العسكري الى أصول استراتيجية تبنى بها الكيانات العسكرية والاقتصادية لدول الخليج مع استخدام قوة رأس المال الخليجي في الخارج لتعزيز أمن الخليج واستقراره وبناء قدراته.
رابعًا: يجب على دول الخليج اليوم مواصلة الوساطة والتعاون مع جميع الأطراف المتناحرة في وقف الحرب الفوري؛ لكي لا تنجر المنطقة كلها لويلات حرب خاسرة يكون ضحيتها آلاف الأبرياء والخسائر في البنى الأساسية للدول وتبخر مليارات الدولارات في الهواء صرفًا على حرب بائسة مع ضمان دولي لحماية دول الخليج من تبعات مثل هذه الحروب التي ليس لها فيها اي دور أو تأثير أو أطماع.
خامسًا: عدم الانجرار إلى دولة الاحتلال فيما تروج له والزج بدول الخليج في حروب إسرائيل ومصائبها، عبر التلويح بفرص الأمن والأمان والاستقرار والتعاون مع دول الخليج؛ فإسرائيل مخادعة وكذابة تكشفت نواياها ومخططاتها، ولا يؤمن مكرها، فلا تطبيع ولا تعاون ولا مد يد لعدو ماكر مباغت.
سادسًا: إعادة صياغة المصير الخليجي بشكل كامل وحديث لكي يصبح مركز الثقل والاستقرار في الشرق الأوسط؛ نظرًا لما تتمتع به دولِهِ من استقرار سياسي وثروات ومواقع متميزة تؤهلها لتكون قوة سياسية واقتصادية قادمة، قوامها الحياد وعدم التدخل في الشؤون الداخلية للغير، بدل أن تكون دول الخليج بيدقًا بيد الاخرين يلعبون بمقدراته وثرواته ويجمعون له الخصوم والاعداء من حوله.
سابعًا: وهو الشرط الأهم وواسطة العقد في هذه الأماني والشروط التي يجب على دول الخليج العربي القيام بها هو الإخلاص وصدق النوايا والتعاون البناء والتضحيات بين جميع الدول لتعود دول الخليج "محور الخير" الذي عُرفت به، ولتحمي نفسها من المخططات الصهيونية والغربية المعلنة وغير المعلنة ليحترم الجميع حريتها واستقلالها ولتعيش في سلام مع جميع دول الجوار بلا قلاقل ولا نزاعات ولتمد يدها الى دول الجوار في تعاون وحوار بناء وعلاقات متميزة صادقة تُحترم تعززها مبادئ حسن الجوار والدين الحنيف الذي أوصى به.
وختامًا.. آمل اليوم أن تكون دول الخليج قد تعلمت الدرس من جميع جوانبه وأن تفكر في تنظيم علاقاتها وصون وبناء بلدانها لتعيش في عيش كريم مصون.
حفظ الله الخليج وشعبه ومحبيه ومن يعيشون في كنفه وجنبهم ويلات الحروب ومصائب الدهر؛ فاللحمة الخليجية باقية إلى الأبد بإذن الله والتعاون والتعاضد والتلاحم سمت أبنائه الأوفياء فلا مناص اليوم من الاتحاد والترابط ورص الصفوف.
