هل آن الأوان لإلغاء الامتحان النهائي في مدارسنا؟

 

سالم بن نجيم البادي

الحديث عن صعوبة الامتحان النهائي في بعض المواد، وطول الامتحان في مواد أخرى في الفصل الدراسي الأول لهذا العام، يقودنا إلى طرح فكرة إمكانية إلغاء الامتحانات النهائية، واستبدالها بوسائل أخرى مثل التقييم المستمر، والمشاريع البحثية، والأنشطة الصفية واللاصفية، وملفات الإنجاز، والعروض الشفوية، وغير ذلك من أنواع التقييم التي يعرفها أهل الاختصاص في التربية. ويمكن الاستعانة بتجارب بعض الدول التي خففت من رهبة الامتحانات النهائية، ولجأت إلى طرق تقييم مختلفة.
ولا تزال الامتحانات النهائية تثير الجدل منذ أن وُجدت المدارس النظامية؛ فالامتحان النهائي لا يقيس بالضرورة ما اكتسبه الطالب من معرفة ومهارات، بقدر ما يقيس قدرته على الحفظ المؤقت واسترجاع المعلومات تحت ضغط نفسي كبير. ومع بدء الامتحانات، تعيش كثير من الأسر حالة من التوتر والقلق اليومي، حيث يتحول الامتحان إلى حديث البيوت وهاجس الطلبة وأولياء الأمور، وتتعالى الشكوى من صعوبة الامتحان ومن عدم كفاية الوقت المخصص لأدائه. ويردّ معدّو الامتحانات بأن الامتحان في متناول الجميع، وأنه أُعدّ وفق مواصفات ومعايير صارمة تناسب جميع الطلبة، وتراعي الفروق الفردية بينهم، وتمت مراجعته للتأكد من مطابقته للمواصفات المعتمدة.
غير أن كل ذلك لا يلغي الشكوى من الامتحانات النهائية، التي تظهر وكأنها معركة حامية الوطيس يجب على الطالب خوضها مرتين في العام الدراسي الواحد، ويعتبرها بعض أولياء الأمور مسألة حياة أو موت. وهذه المعركة تحتاج إلى استعداد طوال العام الدراسي، ومذاكرة مستمرة؛ حيث يُلاحظ في السنوات الأخيرة عزوف الكثير من الطلبة عن المذاكرة، أو الاكتفاء بالمذاكرة السطحية السريعة التي تسبق الامتحان بوقت قصير، مع الاستعانة بالهواتف والأجهزة الذكية الحديثة.
ويلجأ بعض أولياء الأمور إلى الدروس الخصوصية المكلفة؛ سواء كانت حضوريًا أو عن بُعد، وتُمارَس على الطالب ضغوط نفسية هائلة من أفراد عائلته حتى يحصل على أعلى الدرجات، ويتنافس على المراكز الأولى ليكون محل فخر لأسرته أمام الأقارب والناس في المجتمع. وإن لم يفعل، تنهال عليه سهام اللوم والنقد، ويُتهم بالإهمال والتقصير، وتتم مقارنته بأقرانه الذين حصلوا على درجات عالية.
وعند الإعلان عن نتائج الامتحان، تتحول بعض البيوت إلى ساحات فرح وانتصارات، في حين تعيش بيوت أخرى حالات من الهزيمة والانكسار والحزن؛ فالامتحان النهائي يسبب القلق والتوتر والخوف من الامتحان، وألم انتظار النتائج التي تقرر مصير الطالب في الانتقال إلى الصف الأعلى والقبول في مؤسسات التعليم العالي. كما أن رسوب الطالب وبقاءه في الصف نفسه، أو إخفاقه في النجاح في بعض المواد، مما يجعله يعيد الامتحان فيما يُعرف بالدور الثاني، كل ذلك له آثار نفسية على الطالب وأسرته.
وتظهر في مدارسنا، وقبل الامتحانات النهائية في كل عام، مشكلة غياب الطلبة، وهي مشكلة متكررة وعصية على الحل حتى الآن، وفيها هدر لزمن التعلّم، ويُخشى أن تُعلّم الطلبة التسيب وعدم الالتزام بالأنظمة والقوانين. وتبرز مشكلة أخرى ناتجة عن الامتحانات النهائية، وهي طول إجازة طلبة الحلقة الأولى، التي تمتد إلى أكثر من شهر.
كما يتطلب الامتحان النهائي في الصف الثاني عشر استعدادات واسعة، وتهيئة أماكن أداء الامتحانات، وتشكيل لجان ورؤساء لهذه اللجان، وعدد كبير من المراقبين في لجان الامتحانات النهائية، ولجان أخرى لتصحيح الامتحانات، إضافة إلى إعداد وطباعة وتغليف ونقل الامتحانات بسرية تامة خشية تسرّبها، وكل ذلك يتطلب إنفاق مبالغ مالية كبيرة.
إنَّ الدعوة إلى مراجعة الامتحان النهائي ليست دعوة إلى التسيب أو التساهل، بل هي مطالبة بتعليم أكثر إنصافًا وإنسانية، يخفف العبء النفسي عن الطالب وولي الأمر، ويقيس التعلّم الحقيقي، وربما آن الأوان لفتح نقاش وطني جاد حول مستقبل التقييم المدرسي في سلطنة عُمان، بما يخدم الطالب والأسرة والمجتمع ووزارة التعليم على حد سواء.

الأكثر قراءة

z