ناصر بن سلطان العموري
في الوقت الذي كانت فيه فئة المتقاعدين يترقبون بلهفةٍ البشارات السعيدة من تحسين في أوضاعهم، سواء من ناحية زيادة المستحقات أو إضافة مميزات تعينهم على مواجهة أمواج الحياة العاتية، تفاجأ الرأي العام، وتحديدًا كبار السن من المتقاعدين؛ ممن تخطوا عمر الستين، بصدور قرار آثار جدلًا واسعًا وعدم رضا لا سيما من قِبل المستحقين لمنفعة كبار السن حينما تم حصر الحصول على المنفعة ممن يقل دخلهم عن 1250 ريالًا.
وفورًا طفا إلى السطح ذلك السؤال؟ ما سر تحديد عدم الاستحقاق عند أكثر من 1250 ريالًا وما المعيار الذي بُني عليه من الأساس؟
قد يكون صاحب هذا الدخل مُثقلًا بقرض، أو ملتزمًا بإيجار، أو يعاني مرضًا مزمنًا يستهلك جزءًا كبيرًا من دخله، أو يعيل أفرادًا آخرين أو قد يكون بلا مدخرات أو دعم أسري من قبل ذويه لديه أبناء وبنات من خريجي الجامعات والكليات ينتظرون دورهم في طابور التعيين.
في المقابل، قد يكون من يقل دخله رقميًا أقل التزامًا وأكثر استقرارًا بلا التزامات يملك سكنًا يعيش مع أبناء مقتدرين وله مدخرات فكيف يمكن لرقم واحد أن يُختزل فيه هذا التفاوت الإنساني الواسع؟
وهذا التباين الواضح يثير السؤال المنطقي: هل رقم ثابت يمكن أن يعكس حقًا الاحتياجات الحقيقية؟ ويُحوّل شخصًا من “مُستحِق” إلى “غير مُستحِق”؟
وهل الكفاية المالية تقف عند عتبة رقمية محددة سلفًا، أم أنها حالة معيشية متغيرة؟ ومن هنا الرقم وحده لا يحكي القصة، بل قد يضلل عنها فالرقم يبدو جامدًا، لكنه يغفل الحقيقة البسيطة "المال وحده لا يوازي الاحتياجات الفعلية".
الواقع اليوم يظهر أن دخلًا كهذا، في ظل الالتزامات اليومية وتكاليف المعيشة، لا يغطي حتى الأساسيات، ناهيك عن الترفيه أو الطوارئ. في المقابل، قد يعيش من يقل دخله عن 1250 ريالًا في وضع أفضل، رغم كونه من (المستحقين الأقل دخلاً).
فتحويل الاحتياج الإنساني إلى معادلة حسابية، وتجاهل أن العدالة الاجتماعية نسبية لا مطلقة، ولو أردنا شرح الفكرة بشكل أعمق سنقول: "ليس كل من ارتفع دخله ارتفعت قدرته، فالدخل رقم… والالتزامات حياة كاملة".
تحديد استحقاق منفعة كبار السن على أساس دخل ثابت وسقف مُحدد يبدو بسيطًا على الورق، لكنه بعيد كل البعد عن الواقع المعيشي وفق المعايير الحالية في عصر الغلاء والتضخم. وربط الاستحقاق بالرقم وحده يحوّل الدعم من حق اجتماعي إلى معادلة حسابية جامدة تغفل الواقع الإنساني والحماية الاجتماعية الفعّالة ليست مجرد جدول أرقام؛ بل أداة لضمان حد أدنى من الكرامة لكل فرد مسن، بغض النظر عن “الحد الرقمي” لرفاهيته المفترضة.
ومن المفترض أن الحماية الاجتماعية الناجحة يجب أن تراعي أكثر من مجرد الدخل؛ فهي تهدف إلى حماية الفئات الأكثر هشاشة وضمان حد أدنى من الكرامة.
ومن هنا، يصبح من الضروري إعادة النظر في مراجعة معايير الاستحقاق لمنفعة كبار السن لتأخذ بعين الاعتبار الالتزامات الصحية والمعيشية والاجتماعية ومراعاة ما يمر به المجتمع من ظروف حياتية شتى من تضخم وغلاء في الأسعار بدلًا من الاقتصار على أرقام ثابتة، وذلك لضمان أن تبقى الحماية الاجتماعية حقًا إنسانيًا بحتًا لا مجرد رقمًا افتراضيًا.
