معًا لمكافحة جرائم الإساءة للأطفال

 

 

 

 

ناصر بن سلطان العموري

nasser.alamoori@gmail.com

 

المؤتمر السنوي للادعاء العام الذي عقد خلال الأسبوع الماضي بعنوان "الشعور بعدالة الإجراءات"، شهد استعراض العديد من المؤشرات والإحصائيات للقضايا التي تعامل معها الادعاء العام خلال العام الفائت 2025، والملفت للنظر هو العدد الكبير لجرائم الاساءة الجنسية للأطفال؛ إذ بلغت 1246 قضية تحرش جنسي، منها 106 قضايا اغتصاب، و1212 قضية عنف موثقة عبر مكاتب الادعاء العام.

هنا علينا ان ندُق ناقوس الخطر المجتمعي، فلا يجب أن نتجاهل هذا الرقم الكبير لجرائم الإساءة للأطفال أو أن نعتبره إحصائية رقمية عادية مثلها مثل أية إحصائية أخرى؛ حيث يجب أن نقف وقفة جادة لإيجاد الحلول الناجعة وإلّا سوف يدفع الوطن ضريبة ثقيلة خلال السنوات المقبلة؛ سواء كان من الناحية الصحية أو المجتمعية أو الاقتصادية.

التحرش ليس حادثة تمُر وتُروى وتوثق وتصبح ذكرى تختفي مع الزمن، وقد عرَّف أخصائيو الطب النفسي تأثيرات التحرش على الأطفال، وقالوا إنه يُحدث تغيُّرًا بيولوجيًا في دماغ الطفل يجعل الدماغ في حالة تأهب دائم، وجراء ذلك يرتفع هرمون الكورتيزول؛ مما يؤدي إلى احتمالية التعرض للإصابة بأمراض عدة مثل السكر، والأزمات القلبية، والسمنة المفرطة، وفي حالات قد تصل الى الإصابة بالسرطان- عافانا الله وإياكم- وهنا لا يجب اعتبار الموضوع مجرد حالة نفسية لدى الأطفال قد تتأثر جراء التحرش؛ بل هي أكبر من ذلك بكثير.

الدول الغربية اهتمت بهذا الجانب بشكل كبير؛ بل ونفذت دراسات، منها على سبيل المثال لا الحصر، الولايات المتحدة الأمريكية وأستراليا، والتي قدرت التكلفة لجرائم الإساءة ضد الأطفال بمبالغ فلكية كبيرة قد تصل الى المليارات من الدولارات.. ولمن يسأل لما هذه المبالغ الكبيرة؟ هذه المبالغ نتيجة أنه يتم احتساب السنوات الضائعة بسبب الأمراض المزمنة للمتأثرين، حتى ولو بعد سنين، ومنها وتراجع الإنتاجية التي قد تصل إلى 14%، هذا غير احتساب الضغط الواقع على القطاع الصحي جراء الأمراض الناتجة عن الإساءة ضد الأطفال.

ومن هنا علينا أن نأخذ ملف جرائم الإساءة ضد الأطفال على محمل الجد، وإعطائه الأولوية القصوى كونه يمس جيل الغد باني عُمان من حيث إعطائه الاهتمام والدراسة والعلاج الناجع فكل ريال نوفره اليوم هو الاستثمار الحقيقي لخزينة الدولة مستقبلًا.

المسؤولية الأكبر هنا تقع على عاتق الأسرة وخصوصًا الوالدين، لحماية أبنائهما؛ إذ إنهما صمام أمان من حيث متابعتهما وتلقينهما القيم والأخلاق الإسلامية للأطفال، وتربيتهم على العادات والتقاليد الأصيلة وعدم اعطائهم الحرية الكاملة، فقد تبين أن أكثر جرائم الاعتداء على الأطفال كانت خارج البيوت؛ فالثقة العمياء للأبناء لا ينبغي أن تكون جسرًا يتسلل عبره المتحرشون.

كذلك لا يجب أن نغفل دور المسؤولية المجتمعية لأفراد المجتمع، وعلينا العمل بالمثل العُماني "سلِّم العين"؛ فالإرشاد والتوجيه والنصح مطلوب خارج المنزل؛ بل والزجر إذا استدعى الأمر دور الجميع وليس فقط مقتصرة على الوالدين.

الجهات المعنية، لا بُد أن تكون شريكًا أساسيًا وخط الدفاع الأول في عملية المواجهة، وأهمها الجهات الأمنية ومنها الادعاء العام بطبيعة الحال، عبر تغليظ العقوبات على الجُناة والتوعية المستمرة عبر مواقع التواصل الاجتماعي، حول كيفية طرق الإساءة والاعتداء حتى يتم تجنبها والحذر منها. كما يجب أن لا نغفل عن دور التربية (لا سيما في المدارس) وما تمارسه من دور توعوي ورقابي في نفس الوقت لمكافحة هذه الظاهرة المقيتة، كما نحب أن نؤكد عبر هذا المقال أن تكون العمالة التي تعمل في تنظيف دورات المياه من النساء، خاصة لطلاب الحلقة الأولى والحال نفسه ينطبق على مدارس الطالبات.

ولمنابر المساجد دور لا يقل أهمية من خلال خُطب الجمعة التي يجب أن تكون موائمة لقضايا المجتمع وما تمثله من تقوية للوازع الديني، وتحذير أولياء الأمور في إعطاء الأولوية القصوى للاهتمام بأبنائهم وأسرهم، ولا مانع كذلك من إشراك الأخصائيين النفسيين الاجتماعيين؛ كونهم الأقرب لعلاج حالات الإساءة قبل تطورها وتفاقمها.

والإعلام الرسمي، المقروء والمسموع والمرئي، إلى جانب مواقع التواصل الاجتماعي وما تضمه من مؤثرين وناشطين، يجب أن يكونوا في مقدمة الركب لدرء هذه الظاهرة.

وختامًا لا يجب اعتبار حماية الطفل خيارًا متاحًا؛ بل إنه واجب مستحق ومفروض على الجميع.

الأكثر قراءة

z