سلطان بن ناصر القاسمي
نحن نعيش ونتعايش في هذه الحياة مع الناس، ونواجه اختلافات كثيرة، ونتعامل مع مواقف إيجابية وأخرى سلبية تترك أثرها في نفوسنا. والحقيقة أن ما دفعني لكتابة هذا المقال، وأعاد تحريك هذا الموضوع في داخلي، هو موقف اطّلعت عليه أثناء متابعتي لمواقع التواصل الاجتماعي، رغم أنني تعايشت مع مثل هذه المواقف كثيرًا.
كانت إحدى الأخوات تسرد تجربة مرّت بها، لامست الفكرة التي أودّ طرحها. فقد نُظّم مسير شاركت فيه مجموعة من النساء، وكانت مشاركتهن فاعلة، على أساس أن تجمعهن علاقات صداقة واحترام وتقدير. إلّا أن إحدى المشاركات تحرّكت بسرعة أكبر نحو نقطة الوصول، وقبل ذلك اتصلت للاطمئنان على زميلاتها. وبعد انتهاء المكالمة، نسيت إغلاق هاتفها، كما أن الهاتف الآخر لم يُغلق، لتتفاجأ بسماع مجموعة من صديقاتها يتحدثن عنها بكلام مسيء، ويقلّلن من شأنها. في تلك اللحظة، اكتشفت حقيقة العلاقة، ومعدن الصديقات، وما يكنّه من إساءة وقذف في غيابها، فكانت الصدمة قاسية، والأذى النفسي عميقًا، لتدرك أن ما كانت تعيشه لم يكن سوى تعايش سلبي.
وهنا يظهر لنا سؤال مهم: كيف يكون هذا التعايش؟ إما أن يكون قائمًا على الحب والاحترام والتقدير مع من نتلقى منهم تعاملًا إيجابيًا، أو أن يتحوّل إلى استنزاف مؤلم يستدعي قرارًا حاسمًا. وهنا تظهر فكرة “الانتقام” بطرد الشخص المؤذي من حياتك، وهي في حقيقتها ليست انتقامًا بالمعنى السلبي، بل حماية للنفس، واستعادة للكرامة، وعودة للهدوء.
لكن يظهر سؤال آخر أكثر حساسية: كيف يمكن تطبيق هذا القرار حين يكون المؤذي أحد أفراد العائلة؟ فالفرق بين تطبيقه مع شخص من دائرة المعارف، وتطبيقه مع أحد أفراد العائلة، فرق جوهري نفسيًا وأخلاقيًا واجتماعيًا. فعندما يكون الأذى صادرًا من صديق أو معرفة، يكون القرار أوضح وأكثر حسمًا، لأن هذه العلاقات في أصلها قائمة على الاختيار، وليست مفروضة برباط أو واجب. ولذلك، يصبح إنهاؤها عند ثبوت الأذى حقًا مشروعًا لا يحتاج إلى تردد أو شعور بالذنب. فقطع التواصل هنا لا يُعد قسوة، بل احترامًا للنفس، ورفضًا لاستنزاف المشاعر والطاقة فيما لا يستحق. إن الإصرار على إبقاء الشخص المؤذي في الحياة، رغم وضوح أذاه، هو في جوهره تنازل مؤلم عن الكرامة والسكينة.
غير أن الصورة تختلف حين يكون الأذى صادرًا من شخص من العائلة. فهنا تتداخل المشاعر، وتثقل الاعتبارات الدينية والاجتماعية، ويصبح القرار أكثر حساسية؛ فالعائلة ليست علاقة عابرة يمكن محوها، وصلة الرحم قيمة عظيمة لا يمكن تجاوزها بسهولة. لكن هذا لا يعني أن يترك الإنسان نفسه عرضة للأذى باسم القربى. التوازن هنا هو الحل؛ فلا قطيعة تامة تزرع الندم، ولا انفتاح كامل يكرّس الألم، وإنما مسافة محسوبة، وحدود واضحة، وتواصل بالقدر الذي يحفظ الأدب دون أن يسمح بانتهاك النفس أو العبث بالاستقرار الداخلي.
يمرّ الإنسان في حياته بتجارب مؤلمة يتركها أشخاص أساؤوا إليه قولًا أو فعلًا، ومع تكرار الأذى تتولد داخله رغبة في الرد. غير أن الوعي الحقيقي لا يبحث عن انتقام صاخب، بل عن خلاص هادئ. فطرد شخص مؤذٍ من حياتك ليس فعل كراهية، ولا تصفية حساب، وإنما قرار واعٍ لحماية النفس واستعادة السلام الداخلي. وهو في جوهره أرقى أشكال الرد.
فالانتقام المتعارف عليه يقوم على إيذاء مقابل إيذاء، ويغذيه الغضب والانفعال، وغالبًا ما يترك في النفس ندوبًا أعمق من الأذى الأصلي. أما “الانتقام الهادئ”، فهو أن تنزع من المؤذي سلطته عليك، وأن تحرمه من حضورك واهتمامك وتأثرك، فتغلق الباب دون ضجيج، وتمضي دون شرح أو تبرير. في هذا النوع من الانتقام لا ينتصر الغضب، بل ينتصر العقل.
إن الفهم الصحيح للقيم الدينية والأخلاقية يؤكد أن العفو لا يعني القبول بالظلم، وأن صلة الرحم لا تعني إلغاء الذات. فالدين دعا إلى الصفح، لكنه نهى عن الضرر والإيذاء، وأمر بحفظ النفس وصونها، وحثّ على الابتعاد عن مواطن الأذى والفتنة. ومن هذا المنطلق، فإن تقليل الاحتكاك، وضبط النفس في التعامل قولًا وفعلًا، ومنع التدخل في الخصوصيات، كلها صور مشروعة للحماية، لا تتعارض مع الأخلاق ولا مع الدين.
ولعل أقوى ما في هذا النوع من “الانتقام” أنه لا يحتاج إلى كلمات، ولا إلى مواقف درامية. فحين تختار الهدوء، وتمضي في حياتك دون ردود، ودون تتبع، ودون محاولة إثبات شيء لأحد، فإنك تُسقط المؤذي من حساباتك تمامًا. وهذا السقوط هو أشد وقعًا من أي مواجهة، لأن من يؤذي غالبًا يتغذى على ردود الفعل، وحين لا يجدها، يفقد تأثيره وقيمته.
ليس كل انسحاب هروبًا، وليس كل صمت ضعفًا. أحيانًا يكون الانسحاب وعيًا، ويكون الصمت حكمة، ويكون البعد علاجًا لا قطيعة. فالسلام الداخلي لا يُنال بالانتصار على الآخرين، بل بالانتصار على ما يؤذينا في داخلنا، وباختيار من يستحق أن يبقى في حياتنا، ومن يجب أن يخرج منها بهدوء.
لا شك أن طرد المعارف المؤذية حقٌّ كامل، أما التعامل مع الأذى العائلي فهو وضع للحدود لا القطيعة. وأقسى رد على الأذى ليس الغضب؛ بل الهدوء، والانسحاب الذكي، والعيش مطمئنًا بعد أن تضع المؤذي خارج دائرة تأثيرك.
