خالد بن سالم الغساني
تصريح مندوب الولايات المتحدة في مجلس الأمن، بعد عملية القرصنة الاستعمارية التي نفذتها الولايات المتحدة في فنزويلا واختطافه مع زوجته، والذي اعتبر فيه أن دولة مثل فنزويلا، بما تملكه من أكبر احتياطي نفطي في العالم، «لا يمكن أن تكون ضد الولايات المتحدة»، يكشف عن بنية فكرية متجذّرة في تصور واشنطن لطبيعة العلاقات الدولية. فهو تصريح يعيد رسم الحدود، ويحدّد ما يُسمح للدول أن تكونه. وفي هذا المعنى لا يمكن فصل الكلمات عن السياق الأوسع الذي تتحرك فيه السياسة الأمريكية، حيث يُنظر إلى الاختلاف بوصفه خروجاً عن نظام مفترض سلفًا وليس حقًا سياديًا.
اللافت في هذا الخطاب أنه صدر من منصة يُفترض أنها تمثل أعلى درجات الشرعية الدولية. فمجلس الأمن لم يُنشأ ليكون مساحة لإعادة تعريف السيادة وفق موازين القوة، بل إطارًا لإدارة الخلافات ضمن قواعد متوافق عليها. غير أن استخدامه لإطلاق عبارات تقريرية من نوع «لا يمكن» يحوّل هذا الإطار من ساحة قانونية إلى منبر لإعادة إنتاج الهيمنة بلغة هادئة، لكنها لا تخفي مضمونها الإكراهي. وهنا يجري تطبيع فكرة أن الشرعية تُمنح من الأقوى، لا من القانون.
الإشارة إلى الثروة النفطية لفنزويلا تمثّل المفتاح لفهم المنطق الحاكم لهذا التصريح. فالنفط يُستدعى بوصفه معيارًا ضمنيًا للشرعية السياسية، وكأن امتلاك الموارد الطبيعية يستوجب تلقائيًا الاصطفاف ضمن محور بعينه. وبهذا تُختزل السيادة في وظيفة، وتُربط حرية القرار بمستوى القبول الخارجي، لا بإرادة الشعوب. هذا الربط يعيد إنتاج خطاب استعماري قديم، يرى في الثروات سببًا كافيًا للتدخل، وفي الاستقلال حالة مشروطة لا حقًا أصيلًا.
هذا النمط من التفكير يشكّل جوهر المقاربة الأمريكية، خصوصًا في تعاملها مع أمريكا اللاتينية، حيث جرى تاريخيًا النظر إلى الاستقلال السياسي بوصفه وضعًا مؤقتًا، قابلًا للمراجعة متى تعارض مع المصالح الاستراتيجية. من الانقلابات المدعومة سياسيًا، إلى العقوبات الاقتصادية، إلى العزل الدبلوماسي، ظل منطق الطاعة مقابل الاستقرار، حاضرًا بأشكال مختلفة، ومغلفًا أحيانًا بخطاب أخلاقي أو أمني.
وعندما لم تكن هذه الأدوات كافية، لم تتردد السياسة الأمريكية في الانتقال من إدارة السياسة إلى نزعها بالقوة، وصولًا إلى التعامل مع رأس الدولة ذاته بوصفه عقبة قابلة للإزالة أو الإقصاء أو حتى الاختطاف. في هذه الحالات، لا يُستهدف القرار السياسي فقط، بل يُفرَّغ مفهوم السيادة من مضمونه عبر التعامل مع القيادة المنتخبة كجسم قابل للنقل أو التعطيل.
غير أنَّ أهم ما يميّز اللحظة الراهنة هو أن هذا المنطق لم يعد يُمارَس في الظل أو يُقدَّم عبر وسطاء، بل بات يُقال مباشرة، وبثقة، ومن داخل المؤسسات التي أُنشئت أصلًا للحد من مثل هذا السلوك.
وفي ظل هذا التحول، يتراجع القانون الدولي من كونه مرجعية حاكمة إلى إطار شكلي، يُستدعى حين يخدم موازين القوة، ويُهمَّش حين يعترض طريقها، وهذا مؤشر واضح على تآكل منظومة القيم التي قامت عليها العلاقات الدولية بعد الحرب العالمية الثانية، وعلى إعادة تعريف النظام الدولي بوصفه ترتيب مصالح لا منظومة حقوق.
ضمن هذا السياق، تستمر مأزومية مجلس الأمن في تعريف دوره ووظيفته. فحين تتحول المنصة إلى أداة ضغط، ويتحوّل الخطاب إلى تقرير لما يجب أن يكون، تفقد المؤسسة قدرتها على لعب دور الوسيط، وتغدو جزءًا من المشكلة بدل أن تكون جزءًا من الحل. كما أن هذا الانزلاق لا يقتصر أثره على حالة بعينها، بل يرسل رسالة أوسع إلى دول الجنوب مفادها أن السيادة مشروطة، وأن الاختلاف مكلف، وأن الشرعية ليست حقًا مكتسبًا بل امتيازًا قابلًا للسحب.
في المحصلة، لا يُعبّر هذا الخطاب عن فائض قوة بقدر ما يكشف عن تصور ضيق للنظام الدولي، تصور يرى العالم شبكة مصالح لا مجتمعات ودول. وقد تكمن خطورته الحقيقية في أنه يُقال بهدوء، وبثقة، دون أن يهتز أيٌّ من مقاعد مجلس الأمن، وكأنه أمر بديهي، فيما هو في جوهره إعلان عن أزمة شرعية عميقة لا عن استقرار نفوذ راسخ.
