إلى أي مدى؟!

 

 

سارة البريكية 

sara_albreiki@hotmail.com

 

إلى أي مدى يستطيع الواحد منا أن يتأقلم مع الوضع غير المعتاد؛ سواء كان ذلك مرضًا أو سفرًا أو موتًا أو غربةً أو فشلًا بعد عدة نجاحات وبعد رحلة طويلة من التطور. 

إلى أي مدى يبقى الإنسان متحملًا أن يعيش حياة جديدة مختلفة عمّا قد كان يعيشها في وقت ما، وكيف تكون تلك الحياة التي يحاول التأقلم بها مع أمل الشفاء أو العودة! 

أمران لا يستطيع الإنسان تقبلهما بتاتًا حتى لو اعتاد ذلك، ورغم أن عقله وقلبه يقولان: سوف تنجلي هذه الغمة وسوف أعود كما كنت بخير، أعيش حياتي بسلام وأستشعر النعم الكثيرة التي حباها الله لنا، لكننا لا نعي النعم حتى نفقدها؛ فنعمة الصحة من أعظم النعم، ونِعَم الوطن عظيمة لا يشعر بها إلا من حُرم من العودة إلى ذلك الوطن. فكيف تتحمل أن تعيش بعيدًا عن وطنك طيلة العمر، إلا أنك تقلبها يمنة ويسرة، ويقول لك قلبك: ستعود بعد أن تتحسن الظروف، أما عقلك فيحاول تشجيعك قليلًا ثم يخبرك أن البقاء بعيدًا هو الأفضل في هذا التوقيت.

أما ذلك الجسد المسجى بين أجهزة المستشفى فيحاول عبثًا أن يصدق أن الفرصة سانحة لكي أعود كما كنت سابقًا، ولكنه لا يملك حيال نفسه سوى الدعاء والترقب والأمل.

تمضي بنا الحياة مع متغيراتها وطبيعة تقلبها السريع إلى دروب لم نتصور أن نجد أنفسنا فيها، ولم نتخيل أن الحقيقة جزء من الواقع وإن كنا لا نحب أن نرى أنفسنا فيها، إلا أنها أقدار تأتي كما يريد الله.

لكل منا خط سير معين مرسوم بدقة؛ فاختلافك أنت وإخوتك الذي طال لربما لن ينتهي؛ لأن المؤشرات لا تساعد والبيئة لا تبادر، ولن يثمر فيها العطاء. وأما الرفقة الذين تخلوا عنك بعدما شدّوا بك العضد، باعوا وتنكروا وحملتهم نشوة الانتصار الذي يندرج خلفه فشل ذريع وخيانة عظيمة ومؤامرة سيحين كشفها قريبًا. وأما المسؤول الذي تحداك يومًا فقد رأى الفشل في عيون من آمن بهم خلفك، وترك لهم الطريق المعبد وتركك في الزاوية الضيقة، لكنه سيعود يومًا معتذرًا لك رغم أنه يعيش فترة الانتشاء التي ستنتهي قريبًا أيضًا.

سوف يفهم المرء يومًا مدى مخاوفه التي كان يشعر بها قبل أن تحدث، وقد يرى أصدقاءه الذين كانوا له السند مشجعين له دائمًا لا يرون فيه منافسًا، وإنما يرون أنفسهم بنجاحاته وانتصاراته. يختار الله الطيبين دائمًا ليكونوا معًا رغم أنف الحياة.

يعبر المدى وجهًا يشبه الحقيقة الكامنة التي نرفض تصديقها، ونؤمن بأن الله سبحانه وتعالى قادر على خلق المعجزات؛ فالمريض الميؤوس من حالته سيشفى، والمهاجر الذي يتوقع أنه لن يعود إلى الوطن سيعود، وفكرة أن نتقبل الموت واردة وطبيعية وليست بعيدة المدى. فالحياة قصص وعِبَر وتجارب وحكايات، ونحن بينها نعيش دورنا، وعلينا ألّا نتغير مهما قست علينا تلك الظروف، وعلينا أن نبقى صامدين في خانة الطيبين، وألّا نتنكر للآخرين، وأن نشكر الله والظروف التي كشفت لنا معادن تلك الفئة، ولنحمد الله على نعمة الوعي الذي يرافق أيامنا والإدراك الذي نراه ونشعر به.

لكن ذلك المدى الذي نراه ربما يطول فهمه، وربما لن نستطيع أن نتخيل أنه سيكون واقعًا جديدًا، وعلينا التأقلم معه مهما قست علينا الحياة ومهما كان الوقع كبيرًا علينا، ففي النهاية جميعنا سنموت. 

الحمد لله على نعمة النسيان.

الأكثر قراءة

z