سيف بن سعود المحروقي
تهدف البرامج التحليلية الإعلامية في أصلها إلى ما هو أبعد من مُجرد نقل الخبر؛ إذ يُفترض أن تُساعد الجمهور على فهم أعمق لما يجري، لا الاكتفاء بالمعلومة السطحية، كما إنها مساحة لعرض الرأي والرأي الآخر، على أن تتاح فيها وجهات نظر مُتعددة ويُبرز فيها الاختلاف في التحليل والتقدير، مع احترام جميع الآراء والمشاركين، انطلاقًا من القاعدة المعروفة "اختلاف الرأي لا يفسد للود قضية".
خلال الفترة الأخيرة، وأثناء إقامة بطولة كأس العرب في ديسمبر الماضي بدولة قطر الشقيقة، كنت أتابع المنافسات وأحيانًا ما يدور في كواليسها من خلال البرامج التحليلية المصاحبة للبطولة، لكن وللأسف الشديد وجدت نفسي أتابع ما يشبه الكوميديا وأحيانًا أفلام (أكشن) أكثر من كونه تحليلًا رياضيًا؛ فهناك نوع من البرامج يعتمد على إثارة الضيوف عبر طرح أسئلة مستفزة أو توجيه النقاش عمدًا نحو الصدام مع إقصاء التوازن والموضوعية لصالح الجدل، ونوع آخر يستضيف عددًا كبيرًا من المحللين أو اللاعبين، ثم يعجز المذيع عن إدارة الحوار والسيطرة على إيقاعه، فتتحول الحلقة إلى صراعات علنية، هذا ينسحب وذاك يحاول فرض رأيه بالقوة، وآخر يغادر لإرضاء طرف منسحب ثم يعود لينتهي الأمر بضوضاء وفوضى تسيء للبرنامج وسمعته.
أما النوع الثالث فيتجسد في مذيع "دكتاتوري" يدخل الحلقة وهو مهيأ لاستفزاز الضيوف، يوجه أسئلة محرجة يطالب بإجابات قسرية، يترصد الأخطاء ويحاول جرّ الضيف إلى ردود فعل انفعالية، وفي بعض الأحيان يطلق الضيف تصريحًا حادًا، فيُستدعى في الحلقة التالية لإعادة استفزازه واستثمار ذلك الجدل مرة أخرى.
وللأسف، لا يقتصر هذا الأسلوب على البرامج الرياضية فقط، بل يمتد إلى برامج الـ(توك شو) والبرامج التي تستضيف النجوم مقابل مبالغ مالية، حيث يقبل بعض الضيوف الدخول في استفزازات متعمدة والتطرق إلى تفاصيل شخصية فقط، من أجل إثارة الرأي العام وتحقيق نسب مشاهدة أعلى.
وهنا يبرز التساؤل: هل هذا فعلًا ما يريده المشاهد الرياضي؟ هل بات يبحث عن الصدام بدل التحليل، وعن الضجيج بدل المعلومة؟
أصبح الأمر محيرًا بالنسبة لي، وأتساءل إن كنَّا فعلا قد انتقلنا إلى مستوى خرج عن إطار أخلاقيات الإعلام وتجاوز دور التحليل الرصين القائم على المعلومة الدقيقة والمصدر الموثوق.
فالرياضة اليوم لم تعد مجرد نشاط ترفيهي، بل أصبحت جزءًا من تحولات كبرى في عالمنا المعاصر وصناعة تجارية وإعلامية تحكمها المصالح والرعاية والنجومية، ولهذا تتسابق الدول الكبرى على استضافة البطولات العالمية لما تُحققه من عوائد اقتصادية وإعلامية ضخمة.
لكن المؤسف أنَّ هذا التحول رافقه انحراف عن القيم الأساسية للرياضة مثل الروح الرياضية، والانضباط واللعب النظيف، وأصبح التركيز على المادة والانتشار والشهرة يفوق الاهتمام بالبعد التربوي والأخلاقي حتى انساقت بعض البرامج الإعلامية خلف هذا التوجه، بحثًا عن الأضواء ولو على حساب الرسالة والمهنية.
