الإلهام.. الجزء الخفي لأقدارنا

 

 

د. هبة محمد العطار

 

 

لم تكن تُمطر عندما بنى نبي الله نوح السفينة، وكان الجميع يسخرون من الفكرة؛ أرض يابسة، وسماء صامتة وأوامر لا يُفسِّرها المنطق، ومع ذلك لم يكن البناء فعل نجاة مؤجلة؛ بل فعل إيمان سابق على الحدث، كأنَّ القدر لا يكشف نفسه دفعة واحدة، وإنما يهمس أولًا في صورة إلهام لا نفهمه، ثم يتحقق حين يفوت أوان التفسير.

كل ما نُلهَم به ليس وليد المصادفة؛ بل قدرٌ يُمنح لنا قبل أن نُدرك شكله. نحن لا نُعطى الرؤية كاملة، بل نُعطى خطوة واحدة، حدسًا غامضًا، رغبة في الاتجاه عكس ما يبدو معقولًا. وما نعده أحيانًا حماقة أو وَهْمًا، يكون في الحقيقة استجابة مبكرة لشيء لم يُولد بعد.

وما لا نتوقعه هو غالبًا هدية الله الخفية؛ فالله لا يمنحنا دائمًا ما نتمناه؛ بل يمنحنا ما نحتاجه لننجو، حتى وإن جاء في هيئة واقع مؤلم، أو طريق لا يُشبه أحلامنا الأولى.. الألم هنا لا يكون نفيًا للعناية، بل أحد أشكالها القاسية... عناية تُخرجنا من الصورة التي صنعناها لأنفسنا، إلى الصورة التي نُصلِح بها ما تهدَّم بداخلنا لنُصلح الواقع الذي لا يشبهنا من حولنا.

لا يمكن فصل القدر عن مشاعرنا تجاه الأشياء التي تظهر في حياتنا دون ترتيب مُسبق؛ فنحن لا نختار توقيت حضور الأشخاص، ولا شكل الفرص، ولا حتى هيئة الألم، ومع ذلك نجد أنفسنا مُنجذبين أو مُنفِّرين، مطمئنين أو قلقين، وكأنَّ الوجدان يسبق الفهم. المشاعر هنا ليست رد فعل عابر؛ بل لغة أخرى للمعنى، وإشارات خفية تدُلُنا على ما لا نستطيع إدراكه بالعقل وحده. بعض الأشياء تدخل حياتنا فجأةً، بلا مقدمات ولا وعود؛ فنقاومها لأننا لم نُخطِّط لها، لا لأنها لا تنتمي إلينا.

ما يأتي بلا ترتيب قد يحمل ضرورة أعمق من كل ما رتبناه بعناية؛ فالفوضى الظاهرة ليست دائمًا عبثًا؛ بل قد تكون نظامًا لا نراه بعد، وتدريبًا داخليًا على الاتساع، وعلى القبول، وعلى إعادة تعريف ما نظنُّه خيرًا أو شرًا. هكذا تتشكل علاقتنا بالقدر لا عبر الفهم الكامل؛ بل عبر الإحساس المتدرج، والتصالح مع أن بعض المعاني لا تكشف نفسها إلّا حين نكف عن مقاومتها.

وحين يحاوطك واقع لا يُشبه أمنياتك، لا تفترض أنك خذلت، ولا تتعجّل الحكم على الطريق. ربما أنت فقط في مرحلة بناء السفينة، في زمن لا تُمطِر فيه السماء، ولا تبدو فيه الحاجة إلى النجاة واضحة. وربما ما تعيشه الآن ليس نهاية حلم؛ بل بداية وعيٍ جديدٍ، تتغير فيه معايير الأمان، ومعنى الوصول، وشكل الرجاء؛ فالإيمان الحقيقي لا يبدأ عند سقوط المطر؛ بل عند القدرة على الاستمرار في البناء رغم الصمت، ورغم نظرات الاستغراب، ورغم الوحدة.

هكذا يعمل القدر لا يشرح نفسه، ولا يُقدِّم ضمانات؛ بل يَطلب مِنَّا أن نثق، وأن نُكمل الطريق ونحن لا نرى نهايته كاملة، أن نُصدِّق الإلهام قبل أن يؤكده الواقع، وأن نفهم أن النجاة لا تأتي دائمًا كما اشتهيناها؛ بل كما قدر لها أن تكون، وربما أعظم الهدايا الإلهية ليست فيما ننتظره؛ بل فيما نفاجأ به، حين نكتشف بعد فوات الأوان أن ما ظننّاه انكسارًا، كان في الحقيقة بابًا آخر للحياة.

الأكثر قراءة

z