ناصر بن سلطان العموري
في مارس من عام 2020 كنتُ قد طرحتُ مقالًا مكوَّناً من جزءين بعنوان "ضرورة الفحص الطبي قبل الزواج"، تطرقتُ فيه إلى ما تمثله الأمراض الوراثية من خطر داهم على مُستقبل أي دولة، وخاصةً إذا تعلق الأمر بجيل المستقبل؛ حيث تُعد الأمراض الوراثية واحدة من أبرز المُشكلات الصحية التي تُؤرق القائمين على الخطط التنموية، لا سيما السياسات الصحية منها، ويكفي أن نعلم أن شريحة كبيرة من العُمانيين يحملون جينًا من جينات أمراض الدم الوراثية، ولا شك أنَّ هذه النسبة العالية تجعل مجتمعنا العُماني عُرضة لخطر الإصابة بهذه الأمراض؛ الأمر الذي يستدعي وقفة جادة وحازمة من قبل الجميع؛ بدءًا من الفرد نفسه بصفته رب الأسرة، ومرورًا بالمجتمع، وانتهاءً بالجهات ذات العلاقة.
وفي مطلع عام 2026، دخلت سلطنة عُمان مرحلةً جديدة في تاريخها الصحي والاجتماعي؛ حيث انتقل الفحص الطبي قبل الزواج من دائرة "الاختيار" إلى قوة "التشريع". هذا القرار ليس مجرد إجراء روتيني لإتمام عقد القِران؛ بل هو استراتيجية وطنية كبرى تهدف إلى السيطرة على منابع الأمراض الوراثية التي استنزفت طاقات الأسر العُمانية لعقود طويلة، واضعةً مصلحة الأجيال القادمة فوق كل اعتبار عاطفي أو تقليد اجتماعي وذلك بصدور القرار الوزاري رقم (1/2026) من قبل وزير الصحة بشأن ضوابط وإجراءات الفحص الطبي قبل الزواج متضمنا (11) مادة.
التشريع الجديد رُبط تقنيًا بمنظومة "الكاتب بالعدل"؛ حيث لا يمكن توثيق أي عقد قِران دون شهادة فحص طبية معتمدة، ولتسهيل الإجراءات أتاحت الوزارة الفحص في كافة مؤسسات الرعاية الصحية الأولية الحكومية والمؤسسات الخاصة المعتمدة، وتبدأ الرحلة بزيارة الطبيب، لإجراء فحوصات الدم، ومن ثم الحصول على "شهادة إتمام الفحص الطبي" التي تُربط إلكترونيًا بمنصة "الكاتب بالعدل" التابعة للمجلس الأعلى للقضاء.
وهناك أسئلة عديدة رافقت صدور هذا القرار من جانب الرأي العام من أهمها نشر بيان توضيحي متضمنًا ضوابط لما ستؤول إليه الأمور بالنسبة للراغبين في عقد القران خلال الفترة المقبلة، وعن مدى إلزامية هذا القرار من عدمه. ومن الضروري التوضيح أن القرار لا يمنع الزواج في حال وجود توافق جيني غير سليم؛ بل يترك القرار النهائي للطرفين بعد الحصول على المشورة الطبية اللازمة؛ فالهدف ليس المنع، بل "الوعي" بالنتائج والتبعات الصحية والاجتماعية لضمان بداية صحية وسليمة للأسرة العُمانية.
إنَّ جوهر هذا التشريع يكمن في مواجهة التحدي الأكبر المتمثل في زواج الأقارب، والذي يُعد المحرك الرئيسي لانتشار أمراض الدم الوراثية مثل "الثلاسيميا" و"الأنيميا المنجلية" وغيرها من الأمراض الوراثية والمعدية؛ فالعلم يثبت أن التقاء الجينات المتنحية في زواج الأقارب يضاعف احتمالات ولادة أطفال يعانون من إعاقات دائمة أو أمراض مزمنة؛ مما يُحوِّل حلم الأسرة المستقرة إلى رحلة طويلة من الألم والمعاناة في أروقة المستشفيات. ومن هنا، يأتي التطبيق الصارم لهذا القرار ليمنح الطرفين "حق المعرفة" بالنتائج المحتملة، ويكسر حاجز الصمت حول المخاطر الصحية التي قد تترتب على هذا النوع من الارتباط.
مع العلم أن زواج الأقارب في حد ذاته لا يكون سببًا في إضعاف النسل أو إصابته بالأمراض الوراثية في حالة سلامة السلالة العائلية، وخلوها من العيوب الخلقية؛ بل قد يكون مصدرًا للحفاظ على قوة السلالة وصحتها، ولكن وجب التوضيح هنا أن هذه الحالات تكون نادرة، ولا تبنى عليها قاعدة علمية مستدامة؛ حيث إن نتاج معظم الدراسات والبحوث أوضح بشكلٍ جليٍّ أنَّ تكرار زواج الأقارب يضعف النسل جيلًا بعد جيل نتيجة تنامي معدل الإصابة بالأمراض الوراثية بين الأجيال المتعاقبة لنفس الآباء.
وعقب صدور القرار، تبرز أهمية مسؤولية الرقابة على المؤسسات الطبية الخاصة المرخصة لإجراء هذه الفحوصات. ففي الوقت الذي أتاحت فيه الوزارة لهذه المراكز تقديم الخدمة لتخفيف الضغط عن القطاع الحكومي، فإنها تضعها اليوم تحت مجهر الرقابة الصارمة؛ حيث إن محاولة تحويل هذا "الواجب الوطني" إلى فرصة للاستغلال المادي عبر رفع الأسعار أو فرض رسوم إضافية، هو تجاوز لا يمكن السكوت عنه؛ فالتشريع الذي وُضع لحماية المجتمع لن يسمح بأن يصبح المواطن ضحية لـ"تجارة الأزمات"؛ إذ إن العدالة في التطبيق تقتضي أن تكون الفحوصات ميسرة وبأسعار مقننة تخضع لرقابة مباشرة من وزارة الصحة.
ومن الأهمية بمكان كذلك تحديد أسعار معتمدة من قبل وزارة الصحة للمراكز الطبية الخاصة المرخص لها تقديم خدمة الفحص الطبي للراغبين بالزواج وعدم ترك الحابل على الغارب في التلاعب بالأسعار من خلال تقديم خدمات فحص إضافية المراد منها دس السم في العسل.
القانون وحده لا يصنع مجتمعًا معافى ما لم يرافقه وعي مجتمعي عابر للأجيال، والمسؤولية تقع اليوم على عاتق المثقفين، والإعلام، والمنابر الدينية، والمؤسسات التعليمية، لتغيير القناعات الراسخة وتوضيح أن الفحص الطبي هو "صمام أمان" وليس "عائقًا للزواج". والتوعية يجب أن تطرق كل باب، لتشرح أن الحب الحقيقي والمسؤولية تجاه الأبناء يبدآن بقطرة دم تُفحص اليوم، لتضمن ابتسامة طفل معافى غدًا
إنَّ هذا القرار يمثل استثمارًا طويل الأمد في أغلى ما تملكه عُمان؛ إنه: الإنسان.. لضمان نشوء أجيال قادمة تتمتع بالصحة والحيوية في ظل دولة عصرية تضع الوقاية فوق كل اعتبار لكي نمضي بخطى ثابتة نحو تحقيق رؤية "عُمان 2040" التي تضع "الإنسان" وصحته في قمة أولوياتها.
إنها دعوة للجميع بأن يُغلِّبوا لغة العقل والعلم والمنطق، لتبقى بيوتنا عامرة بالصحة، لا بالأنين والوجع.
