لعلكم تتقون.. بين التنظير والتطبيق!

 

 

صبري الموجي

 

من ينظر إلى رمضان بعينٍ فاحصة، يجد أنَّ هناك دروسا مستفادة من هذا الشهر المبارك، الذي اعتاد الصالحون أن تشرئب أعناقهم له ستةَ أشهر، ويودعونه ستة أشهر، ومن ثم تصير سنتُهم كلُّها رمضان (استشرافًا، وتوديعًا).

ها هو الشهرُ الفضيل، قد حلَّ بنفحاته ورحماته وفيوضاته السَنية، ودروسه النافعة، التي من أهمها التقوى، والتي هي من الشهر بمثابة الدُّرة من التاج، ولحاء الشجرة من جذعها، أكد ذلك المعنى قولُ الحقّ سبحانه: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ} (البقرة: 183)، والعبرة هنا في كلمة تتقون.

والتقوى هي ثمرةُ جميع الطاعات والعبادات، ومعناها كما قال الحافظ ابن رجب: «أن يجعل العبدُ بينه وبين ما يخافه ويحذره وقايةً تقيه منه». وهي وصية الله لعباده قال سبحانه: {وَلَقَدْ وَصَّيْنَا الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِن قَبْلِكُمْ وَإِيَّاكُمْ أَنِ اتَّقُوا اللَّهَ} (النساء: 131)، ووصيةُ رسوله محمد صلى الله عليه وسلم لأمّته، فكان إذا بعث بعثا أوصى أميره بتقوى الله في خاصة نفسه، ومن معه من المسلمين.

وبوصف التقوى غاية نبيلة، فإنها لا تتم في هذا الشهر الكريم، ولا في غيره إلا بوسيلة، وهي العلم النافع والعمل الصالح، وأساس ذلك أن يعلم العبدُ ما يتّقي ثم يتّقي، ومن ثم يصبح لزاما عليه أن يعرف الواجبات والمستحبات فيفعلها، ويعرف المُحرّمات والمكروهات فيتجنبها؛ تعظيما لقول الحق سبحانه: {ذَٰلِكَ وَمَن يُعَظِّمْ شَعَائِرَ اللَّهِ فَإِنَّهَا مِن تَقْوَى الْقُلُوبِ} (الحج: 32).

ولمّا كانت التقوى هي الغاية الكبرى من الصوم، كان لزاما أن نتجنب أمورا، أبعد ما تكون عن معناها. فمن ينامُ طيلة يومه بحجة أنّه صائم يُريد تضييع الوقت حتى آذان المغرب، نقول له: احذر، فقد جانبت معنى التقوى.

من يمتنع عن الطعام والشراب بحجة الصوم، ويظل عاكفا آناء الليل وأطراف النهار على الشات والدردشة الفارغة ومشاهدة الأفلام الهابطة، التي تعج بالعري والبلطجة، وتجعل نصيب الصائم من صومه مجرد الجوع والعطش، هو أبعد الناس عن التقوى. كما أنَّ الإسرافُ والتبذير، الذي من مظاهره ملء الموائد بشتى أنواع الطعام والشراب، والضرب بقول النَّبي صلى الله عليه وسلم: "بحسب ابن آدم لقيمات يقمن صلبه" عرض الحائط مخالفة لمعناها أيضا. وغضُّ الطرف عمن ألهب الجوعُ بطونهم، فبحثوا عن طعامهم في سلال القمامة هو تضييع لمعناها كذلك.

كما أنّه ليس من معناها، تعطيلُ مصالح المواطنين فى المؤسسات الحكومية عن طريق الخروج من العمل مبكرا، أو الحرص على قراءة ورد القرآن اليومي، وتعطيل مصالح الناس، دون الالتفات إلى طوابير البشر.

وليس من معناها- أثابكم الله- عدمُ إنجاز مصالح الناس إلا بعد أن «يِفتَّح» طالبُ المصلحة مخّه، ويدفع الرشوة المقنعة أو المقننة، التي حملت أسماء عديدة منها: (الحلاوة أو الإكرامية، وخلافه).

وليس من معنى التقوى كذلك، تركُ (خِتم النسر) على «حَلِّ شعره» مُحلّقا في فضاء المؤسسات الحكومية، دون النزول إلى مكتب الموظف المُختص إلا للحظات قليلة، لا تُمكن منتظريه من الفوز بتوقيعه. وليس من معناها جلساتُ السمر التي غالبا لا تخلو من (قيل وقال)، وغِيبة ونميمة. ولكنْ معناها- هداكم الله- أن نُشمّر عن ساعد الجد، ونفعلَ كلَّ حسن ونُقلع عن كلّ قبيح .. فاستقيموا يرحمكم الله.

تعليق عبر الفيس بوك

الأكثر قراءة

z