الهوية التجارية الرقمية (607) ما تزال في البداية

 

 

 

خالد بن أحمد العامري

bnmuqbil@yahoo.com

 

 

 

في عالم التجارة الحديث، لم يعد الرمز التعريفي (الباركود) مجرد رقم يستخدم لتسهيل عمليات البيع والشراء، بل ‏أصبح أداة اقتصادية تعكس هوية المنتج ومنشأه، وتسهم في بناء الثقة بين المستهلك والمنتج الوطني. فالرمز ‏التعريفي يعد أول مؤشر يكشف بلد المنشأ، وأحد أهم عناصر التنافس في الأسواق المحلية والإقليمية والدولية‎.‎

وفي هذا السياق، أطلقت سلطنة عُمان الرمز التعريفي الوطني للمنتجات العُمانية تحت الرقم (607) في فبراير 2023، ‏ليكون هوية رقمية للمنتج الوطني وداعما لحضوره في الأسواق. عبر مركز عمان للترقيم GS1 OMAN بالتعاون مع ‏غرفة تجارة وصناعة عُمان، جاءت هذه المبادرات لتعزز تنافسية المنتج الوطني وتسهم في ترسيخ المعرفة الرقمية بالمنتجات العُمانية في الأسواق المحلية والإقليمية والدولية. إلا أن المتابع لواقع السوق يلحظ أن عددا كبيرا من المنتجات ‏العُمانية لا يزال يحمل رموزًا تعريفية (باركودات) تعود لدول أخرى أو رموزًا مجهولة الهوية، الأمر الذي يؤدي إلى نسب ‏المنتج إلى الدولة التي يحمل رمزها التعريفي، لا إلى بلد المنشأ الحقيقي. وهو ما يثير تساؤلات مشروعة حول أسباب ‏هذا الخلل وتداعياته الاقتصادية والتسويقية‎.‎

إن استمرار استخدام رموز تعريفية أجنبية للمنتجات العُمانية لا ينعكس فقط على إضعاف الهوية الوطنية للمنتج، بل ‏يحد أيضا من قدرته التنافسية، خاصة في ظل تنامي وعي المستهلك بأهمية دعم المنتج المحلي. كما يؤدي هذا الواقع ‏إلى تشويه البيانات الإحصائية المتعلقة بالصادرات والواردات، ويقلل من فرص تسويق المنتج العُماني كعلامة مستقلة ‏في الأسواق الإقليمية والعالمية‎.‎

ويعد التركيز على قطاع التصدير أحد المرتكزات الأساسية لرؤية عُمان 2040، التي تستهدف تنويع مصادر الدخل ‏وتعزيز حضور المنتج العُماني في الأسواق الإقليمية والعالمية. وفي هذا السياق، جاء تأسيس مركز صادرات عُمان بوزارة ‏التجارة والصناعة وترويج الاستثمار خطوة استراتيجية تصب في تحقيق أهداف الرؤية. غير أن نجاح منظومة ‏التصدير لا يكتمل دون ترسيخ الهوية الرقمية للمنتج العُماني، واعتبار الرمز التعريفي (607)، أداة معترفا بها دوليا ‏لإثبات بلد المنشأ وتعزيز ثقة الأسواق الخارجية بالمنتج العُماني‎.‎

قد يقول قائل إن المنتج العُماني أصبح معروفا في الأسواق من خلال وجود الهوية البصرية التسويقية "صنع في عُمان" على المنتجات الوطنية. غير أن هذا الطرح، لا يكفي في عصر التحول الرقمي واستخدام أنظمة وتقنيات الكشف الآلي ‏عن بلد المنشأ، التي تعتمد في الأساس على قراءة الباركود وليس على الشعارات المطبوعة؛ فبرامج منصات التجارة ‏الإلكترونية، وأنظمة التتبع اللوجستي، لا تتعرف على هوية المنتج إلا من خلال الرمز التعريفي الموحد، وهو ما يجعل ‏الباركود العُماني (607) عنصرًا حاسمًا في إثبات المنشأ رقميًا، وليس بصريًا‏‎.‎

المنتج العُماني يحتاج إلى هوية واضحة تحميه وتقدمه للعالم بثقة. ويعد الباركود العُماني أحد مفاتيح هذه الهوية، ‏التي لا يجوز تجاهلها‎.‎

ومعالجة هذه الإشكالية لا تتطلب قرارات معقدة، بقدر ما تحتاج إلى إرادة تنظيمية واضحة؛ فإلزام المصانع الوطنية ‏باستخدام الرمز العُماني (607)، وربط ذلك بإجراءات التسجيل والترخيص، إلى جانب تقديم تسهيلات فنية ‏للمؤسسات الصغيرة والمتوسطة، يمكن أن يحدث فرقا حقيقيا خلال فترة زمنية قصيرة. كما أن تعزيز حملات التوعية ‏بأهمية الرمز التعريفي الوطني، سواء للمستهلك أو المنتج أو التطبيقات الدولية، يعد خطوة مكملة لا غنى عنها‏‎.‎

إن دعم المنتج الوطني يبدأ من التفاصيل، والرمز التعريفي ليس تفصيلًا هامشيًا؛ بل رسالة اقتصادية ووطنية تعكس ‏من نحن، وما الذي ننتجه، وكيف ننافس في عالم مفتوح لا يعترف إلا بالهوية الواضحة‎.‎

الرمز التعريفي ليس رقمًا تقنيًا؛ بل شهادة هوية اقتصادية، ومن لا يُثبت هويته رقميًا، يُغامر بتغييبها في السوق.‏

الأكثر قراءة

z