شرطة عُمان السلطانية.. منجزات راسخة ومسؤولية وطنية مُتجددة

 

 

د. حامد بن عبدالله البلوشي **

 

ليس الأمن في عُمان مجرد إجراءات تُتَّبع، وقوانين تُنفذ، ولا يقتصر دور شرطة عُمان السلطانية على كونها مؤسسة تُمارس سلطة القانون؛ بل إنه قيمة راسخة تشكّلت في الوجدان العُماني، وتغذّت من معين الإسلام الصافي، وترسّخت في ظل قيادة رشيدة جعلت الإنسان محور الدولة وهدفها، والعدل أساس الحكم وقاطرته، والاستقرار بوابة العمران ومبتغاه.

ويأتي يوم الشرطة مناسبةً وطنيةً ذات دلالة عميقة، نستحضر فيها تاريخًا من البذل والانضباط، ونستعيد سيرة رجال حملوا الأمانة، ووقفوا حراسًا للوطن، لا بالسلاح وحده؛ بل بالحكمة، والرحمة، واستشعار مراقبة الله سبحانه وتعالى قبل مراقبة القانون.

عُرِفَت عُمان منذ القدم معنى الأمن بوصفه ضرورة شرعية قبل أن يكون مطلبًا دنيويًّا؛ فالإسلام جعل حفظ النفس والمال والعرض من مقاصده الكبرى، وربط بين الإيمان والأمان، فقال سبحانه وتعالى: ﴿الَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمَانَهُم بِظُلْمٍ أُولَٰئِكَ لَهُمُ الْأَمْنُ وَهُم مُّهْتَدُونَ﴾.

وفي هذا السياق، نشأت شرطة عُمان السلطانية، وتطورت عبر مراحل متعددة، لكنها بلغت ذروة تحولها المؤسسي مع انطلاق النهضة المباركة عام 1970م بقيادة السلطان قابوس بن سعيد –طيب الله ثراه– الذي أدرك منذ اللحظة الأولى أن بناء الدولة لا يستقيم بلا أمن، ولا يزدهر بلا عدل، ولا يدوم بغير مؤسسات.

فكانت الشرطة جزءًا أصيلًا من مشروع النهضة، لا أداة قمع؛ بل جهاز دولة حضاري، يُرسّخ سيادة القانون، ويحفظ كرامة الإنسان، ويصون هيبة الدولة بعدلها، لا ببطشها.

لم يكن رجل الشرطة العُماني يومًا مجرد مُنفّذٍ للأوامر؛ بل كان –وما يزال- مستشعرًا لعظم الأمانة، متيقنًا من قول النبي صلى الله عليه وسلم: «كلكم راعٍ وكلكم مسؤول عن رعيته».

فحفظ النظام العام، وحماية الأرواح والممتلكات، وصيانة السلم المجتمعي، ليست وظائف إدارية أو باب رزق فحسب؛ بل واجبات دينية وأخلاقية، يتقرب بها رجل الأمن إلى الله سبحانه وتعالى قبل أن يؤديها للوطن.

وقد انعكس هذا الفهم العميق -بفضل الله عز وجل- في حالة الاستقرار التي تنعم بها السلطنة؛ حيث أصبح الأمن حاضنًا للتنمية، وممكّنًا للاستثمار، وضامنًا لحياة كريمة، يسودها الاطمئنان وتكافؤ الفرص.

شهدت شرطة عُمان السلطانية تطورًا نوعيًّا في بنيتها التنظيمية، وانتقالًا مدروسًا من الأساليب التقليدية إلى الاحتراف المؤسسي، مستفيدة من التجارب الدولية، دون أن تفقد هويتها الوطنية.

فالتحديث التقني، والتحول الرقمي، وتيسير الخدمات، وتطوير أنظمة المرور والجوازات والأحوال المدنية، لم يكن هدفه السرعة فحسب؛ بل حفظ كرامة الإنسان، واحترام وقته، وتخفيف معاناته.

كما أولت الشرطة عناية خاصة ببناء الإنسان، عبر التدريب والتأهيل، وغرس القيم الأخلاقية والانضباطية، ليكون رجل الشرطة مثالًا في السلوك، قبل أن يكون رمزًا للسلطة.

في عُمان، لم يُبنَ الأمن على الحواجز؛ بل على الجسور؛ جسور الثقة بين الشرطة والمجتمع، وجسور الحوار بين القانون والناس.

فالمواطن في التجربة العُمانية ليس طرفًا مُراقَبًا فقط؛ بل شريك في حفظ الأمن، مدعوٌّ للوعي، والمسؤولية، واحترام النظام، إدراكًا بأن الأمن لا تصنعه المؤسسات وحدها؛ بل تصنعه القيم المشتركة.

لعل أكثر ما يميز شرطة عُمان السلطانية هو حضورها الإنساني في لحظات الشدة؛ في الأعاصير، والسيول، وحوادث الطرق، والبحث عن المفقودين، حيث يتقدم رجل الشرطة الصفوف، حاملًا روحه على كفه، مضحيًا بحياته، لا يفكر في راحته، أو وقته، أو جهده، أو سعادته الشخصية، لا ينتظر جزاءً ولا شكورًا، مستلهمًا قول الله سبحانه وتعالى: ﴿وَمَنْ أَحْيَاهَا فَكَأَنَّمَا أَحْيَا النَّاسَ جَمِيعًا﴾.

هنا، لا تُرى الرتبة، ولا يُسمع صوت السلطة؛ بل يظهر الإنسان، وتتجلى قيمة التضحية، ويتحول الواجب إلى رسالة.

وإذا كان السلطان قابوس – طيب الله ثراه – قد أسّس دعائم الدولة الحديثة، فإن حضرة صاحب الجلالة السلطان هيثم بن طارق المعظم- أبقاه الله- يمضي بها بثبات نحو آفاق التجديد والتطوير، مؤكدًا أنَّ الأمن ليس حالة جامدة؛ بل منظومة متجددة، تستجيب لمتغيرات العصر، وتستشرف تحديات المستقبل.

وقد انسجمت الرؤية الأمنية مع رؤية "عُمان 2040"، التي تجعل الإنسان محور التنمية، والمؤسسات ركيزة الاستقرار، والحوكمة أساس الأداء، بما يضمن أمنًا مستدامًا، لا طارئًا.

إنَّ شرطة عُمان السلطانية ليست مجرد مؤسسة أمنية؛ بل حكاية وطن، تُروى بفصول من الانضباط، والإيمان، والإنسانية.

وفي يومها، نوقن أن الأمن نعمة، وأن شكر النعمة دوامها، وأن الأوطان لا تُحفظ بالسلاح وحده؛ بل بالقيم التي تحمله، وبالرجال الذين يخشون الله قبل أن يُنفذوا القانون.

في يوم الشرطة، تنحني الكلمات احترامًا لرجالٍ سهروا لينام الوطن آمنًا، وبذلوا ليبقى المجتمع مطمئنًا.. هو يوم شكرٍ وتقدير، ويوم تجديد للعهد، بأن يبقى الأمن في عُمان عدلًا لا ظلم فيه، وقوةً لا طغيان فيها، ورحمةً لا غلظة معها.

دام منتسبو شرطة عُمان السلطانية حماةً للحق وحُرَّاسًا للمبادئ، وكل عام وعُمان في تقدم وأمن وأمان وسؤدد وازدهار في ظل النهضة المتجددة التي يقودها مولانا حضرة صاحب الجلالة السلطان هيثم بن طارق المعظم- حفظه الله ورعاه.

** مدير عام شبكة الباحثين العرب في مجال المسؤولية المجتمعية

تعليق عبر الفيس بوك

الأكثر قراءة

z