عمر بن قاسم السالمي
لا يستقيم أي خطاب جاد عن الواقع العُماني دون الاعتراف الصريح بأن الحكومة قد أدّت ما عليها في حدود مسؤوليتها التاريخية؛ فقد وفّرت الإطار العام للدولة، ورسمت السياسات، وأقامت المؤسسات، وسهرت على حفظ الاستقرار، وصانت الأمن بوصفه الأساس الذي لا تقوم تنمية بدونه. إن الدولة، حين تقوم بواجبها، إنما تهيّئ الأرض وتفتح الطريق وتضع الأدوات في متناول المجتمع، لكنها لا تستطيع أن تمشي نيابة عن أبنائه، ولا أن تُنتج بدلهم، ولا أن تزرع فيهم معنى المواطنة إن غاب عن الوعي. ومن هنا يبدأ الحدّ الفاصل بين ما هو واجب الدولة، وما هو مسؤولية المواطن.
فالمواطنة، في معناها العميق، ليست انتماءً صامتًا ولا امتثالًا شكليًا، بل وعيٌ بالدور، واستعدادٌ لتحمّل المسؤولية، وشعورٌ بأن الفرد جزء فاعل في معادلة الاستقرار لا مجرد مستفيد منه. حين يختزل المواطن المواطنة في المطالبة، ويُغفل جانب الالتزام، تتحول الدولة – مهما بلغت كفاءتها – إلى كيان يعمل تحت حملٍ مضاعف، لأنَّ غياب المشاركة الواعية يفرغ الجهد الرسمي من أثره الكامل. أما حين تُمارَس المواطنة بوصفها سلوكًا يوميًا، فإنها تصبح قوة داعمة للأمن، وحصنًا داخليًا يحمي المجتمع من التفكك قبل أن تحميه القوانين.
والأمن، في هذا السياق، ليس مجرد غياب للفوضى، أو وجود الأجهزة، بل هو حالة طمأنينة عامة تنشأ حين يلتزم الأفراد قبل أن تُلزمهم الأنظمة؛ فالأمن الحقيقي يُصنع حين يحترِم المواطن النظام لأنه يراه ضرورة أخلاقية، لا خوفًا من العقوبة وحدها، وحين يدرك أن العبث بالمصلحة العامة، مهما بدا صغيرًا، هو تهديد صامت لاستقرار المجتمع بأكمله. إن مجتمعًا يتواطأ فيه الأفراد على الإهمال، لا يمكن أن يحافظ على أمنه طويلًا، مهما بلغت جاهزية مؤسساته.
ومن هنا تتضح العلاقة العضوية بين المواطنة والأمن والتنمية؛ فالأمن يهيّئ المناخ، والمواطنة تفعّل الإمكانات، والتنمية هي الثمرة الطبيعية لهذا التلاقي. الدولة تحرس الإطار، لكن المواطن يملأه فعلًا ومعنى. وحين يختلّ هذا التوازن، تتباطأ الحركة، وتضيع الفرص، لا بسبب تقصير في التخطيط، بل بسبب ضعف في الإسهام الفردي. إن أخطر ما يمكن أن تواجهه الأوطان ليس العدو الخارجي، بل اللامبالاة الداخلية التي تنخر في الجهد العام دون ضجيج.
لذا فإن المرحلة الراهنة لا ينبغي أن تقتصر على مساءلة الدولة عمّا قدّمته، بل تتجاوز ذلك إلى مرحلة مساءلة المجتمع عمّا صنع بما أُتيح له من إمكانات، وكيف مارس دوره في حماية منجزاته وصون استقراره. فاستكمال البناء لا يتحقق بإضافة هياكل جديدة فحسب، وإنما بترسيخ وعيٍ مواطنيّ يرى في الأمن مسؤولية مشتركة، وفي العمل التزامًا أخلاقيًا، وفي احترام النظام شرطًا أساسًا للنهضة. وحين يكتمل هذا الوعي، يتحول الاستقرار من حالة تُدار من الأعلى إلى ثقافة متجذّرة في السلوك اليومي، وعندها فقط تستقيم المعادلة، ويأخذ الوطن موقعه الطبيعي في مسار التقدم.
