ضحيّ.. وعام مضى

 

 

 

سالم بن نجيم البادي

 

في ليلة رأس السنة، وكعادته في كل عام، يختار ضَحِيّ العُزلة بعيدًا عن ضجيج الاحتفالات بدخول عام جديد. يجلس بهدوء، ويترك لذاكرته أن تعود إلى أيام السنة الماضية. يفتح سجل إنجازاته، فيتأمله طويلًا، فلا يجد فيه ما يُذكر على المستوى الشخصي، وكانت خلاصة ذلك السجل كلمة واحدة: لا جديد.

في صفحاته وجد ضياع أحلامه، وذبول أمنياته، وعجزه عن تحقيق الخُطط التي رسمها قبل بداية العام المنصرم. مضى عامٌ كاملٌ وهو يسير في طرق موحلة بالأوهام، يحارب طواحين الهواء، ويطارد انتصارات زائفة، ويركض خلف سراب لا يُمسك.

وعلى الصعيد العربي، كان الوجع متوحشًا في قلبه؛ وجع النَّاس في غزة، وفي سوريا، وليبيا، ولبنان، واليمن، وفي السودان جرح جديد يُضاف إلى الجراح. يصل إليه أنينهم عبر أصدقائه هناك، ومن خلال وسائل التواصل الاجتماعي، وشاشات التلفزة التي أدمن متابعة نشرات الأخبار عبرها.

أما على المستوى المحلي، فقد ظلت قضايا الناس تؤرقه بلا انقطاع. قضية الباحثين عن عمل، حين ينظر حوله فيرى في كل بيت شبابًا وشابات ينتظرون فرصة توظيف، يتواصلون معه، ويحكون له تفاصيل معاناتهم، وقد أحسنوا الظن به. وقضية المُسرَّحين من العمل، ففي ليلة رأس السنة وصلته رسالة من أحدهم يقول فيها: «أنا تراني مُسرَّح عن العمل، وعليَّ دَيْن بنك وتمويل، وأعيل أسرة، والشاهد الله حتى غداء ما متغدين، وأريد منك تشوف لي من عندك 20 ريالًا سلف أخذ أغراض المطبخ، تجمل فيني لا تتركني وأنا بهذا الحال».

انتهى كلامه، ومثل هذه الرسائل تصله كثيرًا، حتى باتت تتشابه في الوجع وتختلف في التفاصيل.

وتشغله أيضًا قضايا اجتماعية أخرى يُعاني منها بعض أفراد المجتمع، ومنهم المستفيدون من منافع صندوق الحماية الاجتماعية؛ إذ يقول هؤلاء المواطنون إنَّ هذه المنافع لم تعد كافية لمواجهة متطلبات الحياة.

وقال رجل كبير في السن مخاطبًا ضحي: «أريدك تخبرهم أن الـ115 ريالًا ما تكفي في هذا الوقت». وهي شكوى تتكرر باستمرار، وإن اختلفت صيغها وأصوات قائليها.

ومع كل ذلك، ظل ضحي في ليلة رأس السنة الجديدة هادئًا، راضيًا، مطمئنًا، يحمل في داخله أملًا خافتًا لكنه صادق، ومتفائل بعام جديد مُختلف، تتغير فيه الأحوال نحو الأفضل.

الأكثر قراءة

z