خالد بن حمد الرواحي
ليس الخلل في سوق العمل أننا نستقدم عمّالًا وافدين أكثر مما نحتاج، بل إن هذا الاستقدام يتم- في كثير من الأحيان- بلا خريطة واضحة ولا قراءة دقيقة. وهو ما يجعل الفجوة تتسع بين ما يُصرَّح به على الورق وما يُوجد على الأرض.
ولهذا، تتسلل إلى المنظومة ظواهر لا تبدو خطيرة في ظاهرها، لكنها تترك أثرًا عميقًا في الداخل. من بينها ظاهرة تعدد السجلات التجارية بأسماء أفراد بعينهم، تتحول- في بعض الحالات- إلى أوعية شكلية لاستقدام العمالة الوافدة بلا نشاط حقيقي، ولا مواقع عمل قائمة، ولا التزام تشغيلي واضح.
ويتجلّى هذا الخلل حين نجد أن عددًا كبيرًا من بطاقات العمل المرتبطة بهذه السجلات منتهٍ منذ شهور، وربما سنوات، دون أن يُترجم ذلك إلى إغلاق، أو تصحيح وضع، أو مساءلة فاعلة. فيبقى الكيان «قانونيًا» حاضرًا، بينما هو عمليًا غائب. وهنا لا تصبح المشكلة في وجود العمالة، بل في غياب المنطق الذي يربط الترخيص بالنشاط، والتصريح بالحاجة، والحاجة بالواقع.
وهذا الواقع لا يُعالج بالملاحقة وحدها، ولا بالضبط فقط، بل بإعادة بناء طريقة القرار نفسها. فنحن لا نملك، في كثير من الأحيان، خريطة وطنية واضحة تُحدِّد: ماذا يحتاج كل قطاع؟ وكم يحتاج كل نشاط؟ وفي أي ولاية؟ وفي أي مرحلة؟
سوق العمل ليس وحدة واحدة، بل منظومة موزعة جغرافيًا وبحسب الأنشطة. فما يحتاجه قطاع البناء في ولاية تشهد توسعًا عمرانيًا لا يشبه ما يحتاجه قطاع الخدمات في مدينة مكتظة، ولا ما يحتاجه قطاع صناعي ناشئ في منطقة صناعية جديدة. ومع ذلك، تُبنى قرارات الاستقدام غالبًا على مستندات شكلية، لا على قراءة فعلية للطلب الحقيقي.
ومن هنا، تبرُز الحاجة إلى خطة وطنية مشتركة تُعيد ربط الاستقدام بالواقع لا بالملف، وبالنشاط القائم لا بالنشاط المسجل، وبالحاجة الفعلية لا بالطلب الورقي. خطة تُراعي عدد المنشآت، ونِسب الإشغال، والمناطق الصناعية، والشواغر الحقيقية، بحيث يصبح القرار استباقيًا لا ردَّ فعل.
ويتفرّع عن هذا التخطيط مبدأ وقائي بسيط: ألا يُصرَّح بالقوى العاملة الوافدة إلا بعد وجود ما يؤكد الحاجة الفعلية- من عقود، أو مشاريع قائمة- لأن كل تصريح بلا حاجة حقيقية يتحوّل، في النهاية، إلى عمالة مُخالفة أو سائبة.
وإلى جانب ذلك، لا يمكن أن يبقى التصريح مفتوحًا بلا سقف، ولا أن يُبنى فقط على طلبات لا تتوقف، بمعزل عن رؤية وطنية تقديرية تُحدِّد على مستوى القرى والولايات والمحافظات حجم الحاجة وحدودها وتطورها.
ويكتمل هذا المسار بتفعيل الزيارات التفتيشية بعد وصول القوى العاملة المصرح بها، للتحقق من وجودها على رأس العمل، وارتباطها بالنشاط الذي صُرِّح لها من أجله.
ويُعزَّز أكثر باستكمال الربط الإلكتروني بين الجهات ذات الصلة، بحيث تنعكس أي تغييرات في المستندات تلقائيًا، وتظهر مؤشرات مبكرة للمتابعة، بدل انتظار اتساع الخلل.
ويُستكمل التوازن حين تُفرَز الطلبات بحسب طبيعة المهنة نفسها: فإذا كانت المهنة قابلة للتوطين المباشر، وتوفّر لها باحثون عن عمل مؤهلون وجاهزون، فإنَّ الأولى أن تتحول طلبات الاستقدام إلى فرص عمل تُعرض على القوى العاملة الوطنية.
ومع ذلك، تبقى هناك أنشطة ومهن لا تتوافر لها كفاءات وطنية، أو لا تُقبَل عليها لأسباب موضوعية تتعلق بطبيعة العمل أو ظروفه أو جدواه، مثل أنشطة الحلاقة، وكيّ وغسيل الملابس، والمطاعم والمقاهي، وغيرها. وفي هذه الحالات، فإن الإصرار على نسب جامدة بلا بدائل عملية لا يصنع تعمينًا حقيقيًا، بل يفتح بابَ التفافٍ يفضي إلى تعمين صوريٍّ وشكليٍّ.
ومن هنا، تبرز أهمية الخيارات المتوازنة؛ كالدفع برسوم معقولة، بدل إيقاف الخدمات الذي يُلحق خسائر لا تخفى؛ لأنها تُوجّه السلوك بدل معاقبته، وتبني شراكة مع المنشآت بدل استنزافها، وتُسهم في الوقت نفسه في دعم برامج تدريب وتأهيل الكفاءات الوطنية.
القضية في جوهرها ليست قضية عمالة وافدة ولا سجلات ولا رسوم؛ بل قضية عقل تنظيمي: هل نُدير سوق العمل بمنطق التراكم أم بمنطق التوازن؟ وبمنطق ردّ الفعل أم بمنطق الاستباق؟ وبمنطق الورق أم بمنطق الواقع؟
حين نُعيد للقرار خريطته، وللتنظيم منطقه، وللسوق توازنه، فإننا لا نحمي فقط أرقامًا في تقارير، بل نحمي استدامة سوق العمل نفسه، وعدالته، وقدرته على أن يكون رافعة تنمية لا عبئًا عليها.
