حضارة القيم والأخلاق

 

 

 

د. صالح بن ناصر القاسمي

عندما نتحدث عن الحضارة، فإننا لا نقصد مجرد التقدّم المادي أو الطفرات العمرانية؛ بل نتحدث عن نمط حياة متكامل يعبّر عن وعي الإنسان بذاته، ودوره، ومسؤوليته في هذه الحياة. فالحضارة، في جوهرها، هي انتقال الإنسان من حالة البدائية إلى حالة التنظيم، ومن العشوائية إلى البناء، ومن الغريزة المجردة إلى العقل الموجّه بالقيم. ومنذ أن خلق الله الإنسان واستخلفه في الأرض، لم يكن ذلك الاستخلاف عبثًا أو بلا ضوابط؛ بل جاء مقرونًا بالتكليف، والسعي، وعمارة الأرض بما يحقق الخير والاستقرار للبشرية جمعاء.

وقد أرشدنا القرآن الكريم إلى هذه الحقيقة العميقة حين بيّن أن الإنسان خليفة الله في الأرض، قال تعالى: ﴿وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلَائِكَةِ إِنِّي جَاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً﴾ (البقرة: 30). وهذا الاستخلاف لم يكن قائمًا على القوة وحدها، ولا على التفوق المادي فحسب، وإنما أُسس على منظومة متكاملة من القيم والأخلاق والمبادئ التي تضمن انتظام الحياة واستقرارها، وفي مقدمتها إخلاص العبادة لله وحده، والالتزام بالعدل، والأمانة، والرحمة، واحترام الإنسان بوصفه إنسانًا.

لقد مضى الإنسان في مسيرته التاريخية يشيد الحضارات، ويبتكر الوسائل، ويطوّر الأدوات التي تعينه على تسخير الطبيعة، فشُيّدت القصور الشاهقة التي دلّت على الرفاهية، وأُقيمت السدود العظيمة التي أسهمت في ازدهار الزراعة وتنوّع المحاصيل، واخترعت الآلات التي وفّرت الوقت والجهد، وساعدت على تسريع وتيرة الحياة. غير أن كثيرًا من تلك الحضارات، رغم قوتها المادية وبريقها الظاهري، اختزلت معنى الحضارة في المادة وحدها، وأهملت البعد القيمي والأخلاقي الذي وُضعت له أساسًا.

وحين انفصلت تلك الحضارات عن المنهج الرباني، وتجبرت وطغت، وسادها الظلم والفساد، كان مصيرها إلى الزوال، مهما بلغت من القوة والتمكين. وقد جسّد القرآن الكريم هذه الحقيقة في عرض قصص الأمم السابقة، لا لمجرد السرد التاريخي؛ بل للعبرة والاتعاظ، قال تعالى:﴿أَلَمْ تَرَ كَيْفَ فَعَلَ رَبُّكَ بِعَادٍ * إِرَمَ ذَاتِ الْعِمَادِ * الَّتِي لَمْ يُخْلَقْ مِثْلُهَا فِي الْبِلَادِ * وَثَمُودَ الَّذِينَ جَابُوا الصَّخْرَ بِالْوَادِ * وَفِرْعَوْنَ ذِي الْأَوْتَادِ * الَّذِينَ طَغَوْا فِي الْبِلَادِ * فَأَكْثَرُوا فِيهَا الْفَسَادَ﴾ (الفجر: 6-12)؛ فكانت النهاية الحتمية حضارات اندثرت، وأممًا لم يبقَ منها إلا آثار تروي قصة الغرور حين يتقدّم بلا أخلاق.

ومن مقتضى حكمة الله سبحانه وتعالى أن يُبدل تلك الأمم بأمة الإسلام، لتكون أمة القيم والرسالة، وخاتمة الأمم، ويكون رسولها صلى الله عليه وسلم جامعًا لمكارم الأخلاق، حاملًا الرحمة للعالمين، حتى وصفه ربه بقوله: ﴿وَإِنَّكَ لَعَلَىٰ خُلُقٍ عَظِيمٍ﴾ (القلم: 4). ولم يكن غريبًا بعد ذلك أن يُعرف بين قومه بالصادق الأمين، وأن تقوم الحضارة الإسلامية على أساس أخلاقي متين، مكّنها من أن تتطوّر وتنتشر في زمن قياسي مقارنة بمسيرة الحضارات السابقة.

لقد تسلّحت الأمة الإسلامية بسلاح الأخلاق، فجعلت منها منارًا لمسيرتها، ومنهجًا لحياتها، ومعيارًا تُقاس به قيمة الإنسان. فلم يكن التفاضل قائمًا على المال أو النسب وحدهما؛ بل على السلوك والاستقامة وحسن المعاملة. ولا يزال هذا المبدأ حاضرًا في مجتمعاتنا، حين يُسأل عن أخلاق الرجل قبل السؤال عن ماله أو مكانته الاجتماعية، إدراكًا بأن الأخلاق هي الضمان الحقيقي لاستمرار العلاقات وبناء الأسر والمجتمعات.

ولا يعني هذا التقليل من شأن الجانب المادي في الحضارة الإسلامية، فهو ثابت ومُدوّن في عمق التاريخ والتراث، غير أن المقصود التأكيد على أن القيم والأخلاق هي الحافظة للهوية، وهي البوصلة التي تهدي الأمة حين تتكاثر التحديات، وتتعاظم محاولات النيل من ثوابتها. فالأمة تُهزم أخلاقيًا قبل أن تُهزم عسكريًا أو اقتصاديًا، وأول ما يُصيبها في مقتل هو تغيّر أخلاق أفرادها، واستبدالها بقيم دخيلة لا تمتّ إلى موروثها بصلة.

وما نشهده اليوم من انزياحاتٍ واضحة في منظومة القيم، تُبرَّر بشعارات التطور ومجاراة العصر، يفرض وقفة وعي جاد ومسؤول، فليس كل جديد محمودًا، ولا كل ما يُسوَّق على أنه تطور يُمثّل تقدمًا حقيقيًا. إن الحاجة باتت ملحّة إلى سياسات واعية تصون النسق الأخلاقي العام، وتُعيد الاعتبار للأعراف والقيم التي ورثناها عن الآباء والأجداد، بوصفها خط الدفاع الأول عن تماسك المجتمع لا عائقًا أمام تطوره. ولا يخفى على المتأمل أن كثيرًا من المجتمعات التي حققت تطورًا ماديًا هائلًا تعاني في المقابل من أزمات نفسية وروحية عميقة، نتيجة الابتعاد عن الفطرة السوية، والتخلي عن الأخلاق الحميدة. ونرى اليوم حملات تسعى إلى فرض منظومات قيمية مشوّهة، كالإلحاد والتفكك الأخلاقي، تحت شعارات الحرية والتقدم. وهنا تبرز مسؤوليتنا في الحفاظ على هويتنا نقية، دون انغلاق أو تعصّب، فلا حرج في أن نأخذ من الآخرين ما ينفع حياتنا، شريطة أن يكون منسجمًا مع قيمنا ومبادئنا، فالحكمة ضالة المؤمن، أينما وجدها فهو أحق بها.

وأخيرًا، فإنَّ على شبابنا أن يُدركوا أن الأخلاق ليست ترفًا فكريًا، ولا عنصرًا ثانويًا في بناء الحضارات؛ بل هي أساس بقائها واستمرارها؛ فالحضارة التي تقوم على المادة وحدها، دون أن تُغلف بالقيم، محكوم عليها بالزوال، مهما بدا بريقها لامعًا، لأن ما لا تحرسه الأخلاق، لا يحميه الزمن.

تعليق عبر الفيس بوك

الأكثر قراءة

z