عبيدلي العبيدلي **
في نهاية المطاف، من الأفضل فهم مشروع السلام بين ترامب ونتنياهو على أنه مقامرة اقتصادية ذات تداعيات سياسية. وإذا نجحت، فسوف تظهر أن الرخاء يمكن أن يرسخ السلام في واحدة من أكثر الصراعات استعصاء على الحل في التاريخ الحديث. وإذا فشلت هذه الاستراتيجية، فسوف تشعر بالتكاليف إلى ما هو أبعد من غزة؛ مما يعزز التقلبات في الأسواق العالمية، ويجهد الاقتصادات الهشة، ويديم اليأس. ولا يكمن الخيار في توافر الأموال؛ فالمانحون والموارد موجودة، بل في مصداقية الحكم، واستدامة الأمن، واستعداد الجهات الفاعلة الإقليمية والعالمية لمواصلة المشاركة.
ومن شأن استقرار غزة أن يقلل من تعطل الشحن الإقليمي (البحر الأحمر وشرق البحر الأبيض المتوسط)، مما يقلل من التكاليف على جميع المستوردين والمصدرين في منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا.
كما يمكن أن يفتح استقرار غزة ممرات تجارية جديدة، تربط بلاد الشام بمصر والخليج وأوروبا. ستكتسب مشاريع مثل الجسور البرية والموانئ والمراكز اللوجستية زخما إذا انخفضت المخاطر السياسية.
ومن شأن إعادة إعمار غزة أن تخلق طلبا على العمالة والمواد والخدمات التي يتم الحصول عليها من البلدان المجاورة (المهندسين الأردنيين، والإسمنت المصري، والمقاولين الأتراك، والتمويل الخليجي)، مما يعزز التجارة البينية الإقليمية.
إلا أنه عندما ينظر للمشروع من زاوية المكاسب الاقتصادية، التي تم الترويج لها، توجد أرقام ومؤشرات قوية تجعل احتمال فشل مشروع ترامب- نتنياهو عاليًا جدًا من الزاوية الواقعية، وليس فقط النظرية.
حجم التمويل وطبيعته:
- الخطة تتحدث عن نحو 50 مليار دولار للمنطقة، منها حوالي 27.8 مليار دولار للأراضي الفلسطينية على عشر سنوات، أي 2.78 مليار سنويًا فقط.
- من هذا المبلغ، حوالي 11.4 مليار منح، بينما نحو 14.6 مليار تُموَّل كقروض، أي أن أكثر من نصف التمويل ديون تضاف لاقتصاد هش يعاني أصلًا من عجز مزمن.
- متوسط المنح السنوي (حوالي 1.14 مليار دولار) لا يتجاوز مستوى المساعدات التقليدية؛ فمثلًا تعهّد المانحون في مؤتمر باريس 2007 بحوالي 7.4 مليار دولار لثلاث سنوات (أكثر من 2.4 مليار سنويًا)، أي أعلى من مستوى المنح في خطة ترامب رغم تسويقها كطفرة تمويلية.
هذه الأرقام تعني أن الخطة لا تضيف طفرة حقيقية في المنح، كما يروج لها، لكنها تضيف عبئًا كبيرًا من الديون يجعل الاقتصاد أكثر هشاشة وارتهانًا سياسيًا.
افتراضات نمو مبالغ فيها:
- الخطة تفترض أن الاستثمار المقترح يمكن أن يرفع الناتج المحلي من نحو 14.6 مليار دولار إلى 33.3 مليار دولار خلال عشر سنوات، أي أكثر من 100% نمو.
- مقارنة بـالمبادرة الاقتصادية التي طرحها وزير الخارجية الأميركي جون كيري عام 2013 لدعم الاقتصاد الفلسطيني، والمعروفة باسم “المبادرة الاقتصادية لفلسطين” أو Palestine Economic Initiative، والتي قُدمت كمسار “سلام اقتصادي” موازٍ أو داعم للمسار السياسي السابقة التي افترضت نصف التمويل تقريبًا (13 مليار دولار) مقابل زيادة متوقعة في الناتج بنسبة 50% فقط، تبدو افتراضات ترامب شديدة التفاؤل وغير منسجمة مع القيود الفعلية على الاقتصاد الفلسطيني.
- على مستوى التشغيل، تتحدث الخطة عن خلق أكثر من 1.3 مليون فرصة عمل خلال عشر سنوات، بينما العدد الحالي للوظائف في الضفة وغزة يقارب 956 ألف وظيفة؛ أي أنها تريد مضاعفة حجم سوق العمل تقريبًا في بيئة لا تزال فيها المعابر والموارد خاضعة لسيطرة الاحتلال.
هذه الفجوة بين الأرقام والواقع تعطي إشارة واضحة للمستثمرين والاقتصاديين بأن النمو المتوقع غير قابل للتحقق دون تغيير جذري في الواقع السياسي والقيود الإسرائيلية، وهو ما لا تعالجه الوثيقة.
استمرار بنية التبعية الاقتصادية:
- دراسات الاقتصاد السياسي للاحتلال تُظهر أن نحو 80% من واردات الفلسطينيين و90% من صادراتهم تاريخيًا مرتبطة بالسوق الإسرائيلية، ما يعكس علاقة تبعية لا تسمح بنمو مستقل.
- الخطة لا تعالج جذور هذه البنية (التحكم بالحدود، المعابر، الموارد الطبيعية)، بل تقترح حلولًا تقنية مثل تحسين الشاحنات والمخازن المبرّدة عند الحواجز بدلاً من إزالة المعوقات التجارية ذاتها.
اقتصاديًا، هذه المؤشرات الرقمية (تركيبة التمويل، مبالغة توقعات النمو والتوظيف، استمرار التبعية، وتعميق الدين) تجعل الوثيقة أقرب إلى وصفة لأزمة جديدة منها إلى خطة تنمية حقيقية، وهو ما يفسر إجماع غالبية التحليلات المستقلة على أن المشروع محكوم عليه بالفشل اقتصاديًا حتى قبل أن يُختبر سياسيًا.
واقتصاديًا، هناك عدة عوامل تمارس دورًا سلبيًا يجعل وثيقة ترامب – نتنياهو للسلام أقرب إلى الفشل من النجاح:
- الفصل بين الاقتصاد والسياسة:
- الخطة تَعِد بمشروعات واستثمارات دون معالجة جوهر المشكلة: الاحتلال، السيطرة على الموارد، وحرية الحركة والتجارة للفلسطينيين.
- التركيز على “السلام الاقتصادي” يعالج الأعراض (بطالة، فقر) ولا يعالج البنية غير العادلة للاقتصاد الفلسطيني المرتبط بإسرائيل.
- غياب الشريك الفلسطيني الحقيقي:
- الخطة أُعدّت وقدمت عمليًا بدون مشاركة فلسطينية ذات تمثيل حقيقي، ما يعني غياب الملكية المحلية للمشروعات وارتفاع احتمال المقاطعة أو عدم التنفيذ.
- الاستثمار الخارجي في بيئة يرفضها المجتمع المحلي سياسيًا وأخلاقيًا يزداد معه خطر المقاطعة وعدم الاستقرار، وهو ما ينفّر المستثمرين الجادين.
- هيكل تمويل غير متوازن وغير واقعي:
- جزء كبير من التمويل المقترح عبارة عن قروض وليس منح، ما يفاقم عبء المديونية في اقتصاد هش أصلًا، بدلاً من تخفيفه.
- الأرقام المتوقعة للنمو وفرص العمل في الخطة مبالغ فيها وغير منسجمة مع القيود الهيكلية على الاقتصاد الفلسطيني (إغلاق، حواجز، سيطرة على الحدود والموارد).
- استمرار القيود الإسرائيلية وعدم ضمانات تنفيذ:
- الخطة لا تعالج بوضوح مسألة رفع القيود الإسرائيلية على الحركة والتجارة والموارد، وهي شروط أساسية لأي نمو اقتصادي مستدام.
- غياب آليات تنفيذ ملزمة وجداول زمنية واضحة يجعل الوعود الاقتصادية نظرية، ويُبقي القرار الفعلي بيد الحكومة الإسرائيلية.
- بيئة استثمار عالية المخاطر:
- عدم اليقين السياسي والأمني، واستمرار الاستيطان والعقوبات المالية على السلطة، كلها عوامل ترفع مخاطر الاستثمار وتضعف جدوى المشروعات المقترحة.
- المستثمرون الكبار عادةً يتجنبون بيئات يكون فيها القانون والسيادة محل نزاع، ما يفرغ “حوافز الاستثمار” من محتواها العملي.
باختصار.. القوى السلبية هنا هي: تجاهل البعد السياسي والحقوقي، تغييب الشريك الفلسطيني، تضخيم الوعود الاقتصادية مع تحميل الاقتصاد ديونًا جديدة، الإبقاء على القيود الإسرائيلية، وخلق بيئة استثمار غير مستقرة؛ وكلها تجعل الخطة اقتصاديًا غير قابلة للحياة حتى قبل مناقشة بعدها السياسي.
** خبير إعلامي
