عبيدلي العبيدلي **
التحديات التي تواجه الدول النامية عند ربط سياساتها الاقتصادية بالتنويع الاقتصادي
وتتفاقم هذه التحديات بفعل الضغوط الخارجية المرتبطة بالاندماج في الاقتصاد العالمي. فالمنافسة الشديدة، وقواعد التجارة الدولية، والقيود المفروضة على السياسات الصناعية، تقيّد هامش المناورة المتاح أمام الدول النامية لتجريب أدوات دعم التنويع. وقد أشار عدد من الباحثين إلى أن الدول التي نجحت تاريخيًا في التنويع استفادت من فترات حماية مرحلية وسياسات صناعية نشطة، وهي أدوات أصبحت اليوم محل جدل في النظام التجاري العالمي.
وأخيرًا، يبرز البعد الاجتماعي والسياسي كأحد التحديات الجوهرية. فالتنويع الاقتصادي قد يترتب عليه، في المدى القصير، إعادة توزيع للأعباء والمكاسب، ما يولّد مقاومة اجتماعية للإصلاحات. وفي غياب سياسات اجتماعية مرافقة، قد يؤدي هذا التحول إلى زعزعة الاستقرار السياسي، ويقوض الدعم المجتمعي لاستراتيجيات التنويع.
تدل هذه التحديات مجتمعة على أن ربط السياسات الاقتصادية بالتنويع في الدول النامية يتطلب مقاربة شاملة، لا تقتصر على اختيار القطاعات أو تصميم الحوافز، بل تمتد إلى إعادة بناء المؤسسات، وتطوير رأس المال البشري، وإدارة التكاليف الانتقالية بحساسية سياسية واجتماعية عالية.
الفرص التي يتيحها التنويع الاقتصادي
يمثل التنويع الاقتصادي، على الرغم من تعقيداته، أحد أكثر المسارات الواعدة أمام الدول النامية لتحقيق انتقال تنموي حقيقي ومستدام؛ فهو لا يقتصر على تقليل المخاطر المرتبطة بالاعتماد الأحادي، بل يفتح آفاقًا واسعة لإعادة تشكيل بنية الاقتصاد والمجتمع على نحو يعزز النمو الشامل والمرونة الاقتصادية.
تتمثل الفرصة الأولى التي يتيحها التنويع الاقتصادي في توسيع قاعدة النمو وخلق مصادر متعددة للدخل القومي. فتنويع الأنشطة الإنتاجية يقلل من حساسية الاقتصاد للتقلبات الدورية في أسعار السلع أو الطلب الخارجي، ويمنح الدولة هامشًا أوسع في إدارة سياساتها المالية والنقدية. وقد أظهرت دراسات مقارنة أن الاقتصادات الأكثر تنوعًا تميل إلى تحقيق معدلات نمو أكثر استقرارًا وتقلبات أقل في الناتج المحلي الإجمالي مقارنة بالاقتصادات الأحادية .
كما يتيح التنويع الاقتصادي فرصًا كبيرة لخلق وظائف أكثر استدامة، ولا سيما في القطاعات الصناعية والخدمية ذات القيمة المضافة الأعلى. ففي كثير من الدول النامية، ترتبط البطالة، خاصة بين الشباب، بضيق القاعدة الإنتاجية وهيمنة أنشطة منخفضة الإنتاجية. ويسهم التنويع في توسيع الطلب على المهارات، وتحفيز الاستثمار في رأس المال البشري، وربط التعليم والتدريب بحاجات الاقتصاد الفعلية، ما يعزز الاندماج الاجتماعي ويحد من التفاوتات.
وتبرز فرصة أخرى للتنويع في تحسين موقع الدول النامية داخل سلاسل القيمة العالمية. فبدل الاكتفاء بتصدير المواد الخام أو السلع الأولية، يتيح التنويع الانتقال التدريجي نحو أنشطة تصنيع ومعالجة وخدمات مرتبطة بالإنتاج، بما يرفع القيمة المضافة المحلية ويعزز نقل التكنولوجيا والمعرفة. وتشير تجارب دول شرق آسيا إلى أن هذا المسار كان عاملًا حاسمًا في تحقيق التحول الهيكلي ورفع مستويات الدخل على المدى الطويل.
كذلك يتيح التنويع الاقتصادي تحسين كفاءة المالية العامة، من خلال تنويع مصادر الإيرادات الحكومية وتقليل الاعتماد على عائدات ريعية متقلبة. ويمنح ذلك الدولة قدرة أكبر على التخطيط طويل الأمد، وتمويل الخدمات العامة، والاستثمار في البنية التحتية، دون التعرض لضغوط مالية حادة عند تراجع أسعار مورد معين. وقد أكدت تقارير صندوق النقد الدولي أن تنويع الإيرادات يمثل عنصرًا أساسيًا في تعزيز الاستدامة المالية في الدول النامية.
ولا تقل أهمية البعد المؤسسي للتنويع، إذ يخلق هذا المسار حوافز لتطوير مؤسسات الدولة وتحسين الحوكمة الاقتصادية؛ فإدارة اقتصاد متنوع تتطلب أطرًا تنظيمية أكثر شفافية، وقدرات أعلى على التنسيق بين السياسات، ونظم معلومات دقيقة، ما يسهم في بناء مؤسسات أكثر كفاءة واستقلالية. وتُظهر الأدبيات أن الدول التي نجحت في التنويع حققت، في الغالب، تقدمًا متوازيًا في جودة مؤسساتها الاقتصادية.
وأخيرًا، يتيح التنويع الاقتصادي للدول النامية فرصة تعزيز استقلالها الاقتصادي والسياسي نسبيًا، من خلال تقليل ارتهانها لتقلبات الأسواق العالمية أو لشروط التبادل غير المتكافئة؛ فاقتصاد أكثر تنوعًا يمتلك قدرة أكبر على التفاوض في العلاقات الاقتصادية الدولية، وعلى حماية أولوياته التنموية في عالم يتسم بتزايد المنافسة وعدم اليقين.
تُظهر هذه الفرص أن التنويع الاقتصادي، إذا ما أُحسن تصميمه وتنفيذه، يمكن أن يتحول من استجابة دفاعية للأزمات إلى استراتيجية هجومية لبناء اقتصاد أكثر إنتاجية وعدالة واستدامة، غير أن إمكاناته لا تتوقف عند هذه الحدود.
إذ يتيح التنويع الاقتصادي كذلك فرصة لإعادة هيكلة العلاقة بين القطاعين العام والخاص، من خلال الانتقال من نموذج الدولة الريعية أو الدولة الراعية إلى نموذج الدولة التنموية القادرة على توجيه الاستثمار، وتحفيز الابتكار، وبناء شراكات إنتاجية طويلة الأجل. ففي الاقتصادات النامية، غالبًا ما يظل القطاع الخاص محصورًا في أنشطة تقليدية منخفضة المخاطر، بينما يفتح التنويع المجال أمام ظهور فاعلين اقتصاديين جدد في مجالات التصنيع والخدمات المتقدمة، ما يعزز التنافسية ويحد من الاحتكارات.
كما يوفر التنويع الاقتصادي فرصة مهمة لتعميق الروابط بين القطاعات المختلفة داخل الاقتصاد الوطني. فبدل الاقتصادات المجزأة التي تعمل فيها القطاعات بمعزل عن بعضها، يساهم التنويع في بناء شبكات إنتاج مترابطة تولّد آثارًا مضاعفة على النمو والتشغيل. وقد أظهرت دراسات التعقيد الاقتصادي أن الاقتصادات التي تطور منتجات مترابطة معرفيًا تكون أكثر قدرة على التوسع المستدام مقارنة بتلك التي تعتمد على منتجات معزولة.
** خبير إعلامي
