الخميس, 16 أغسطس 2018

مقال : تقييم الجمهور للمؤسسات الحكومية

الثلاثاء 07 أغسطس 2018 07:05 م بتوقيت مسقط

 

سيف المعمري

حظيت جميع المؤسسات الحكومية في السلطنة بنصيب وافر من الموارد البشرية والمالية وأدوات التقانة الحديثة التي تمكنها من أداء واجباتها للجمهور على أكمل وجه، ولن نبالغ إن قلنا إنّه لا يزال أداء معظم تلك المؤسسات غير مقنع للجمهور ولا يتناغم مع ما تهيأ لها من إمكانيات بشرية ومادية وأدوات التقانة الحديثة، ويعزى ذلك لعدة أسباب، أهمها: غياب تقييم الجمهور لأداء تلك المؤسسات، وعدم إدراك قيادات المؤسسات لأهمية تقييم الجمهور لمؤسساتهم وأداء موظفيهم، فعند ولوجك لأي مؤسسة حكومية يقابلك صندوق الاقتراحات أو الشكاوى الذي لا يفتح من قبل الكثير في المؤسسة، أو لربما حتى رئيس الوحدة لا يعلم أين مفاتيحها؟ لكنها على ما تبدو ليست إلا شكليات لتبرئ المؤسسة ساحتها من أي تقصير في فتح قنوات التواصل مع الجمهور، وفي ذات الوقت يكثر حديث الجمهور عن أداء المؤسسات الحكومية في المجالس العامة ومنصات التواصل الاجتماعي، ولو استثمر الجمهور في تقييم أداء المؤسسات لاستفادت المؤسسات أولا، وقللت من الهدر في المال والوقت وكلفة الإنتاج، وثانيا لاستحسن الجمهور أداء المؤسسات.

في ذات يوم قبلت دعوة من مؤسسة أكاديمية نظمت لقاء مفتوحا لخريجيها مع مسؤوليهم المباشرين ورؤساء الوحدات في مؤسساتهم، وقد بدأ اللقاء بروح من التفاؤل من قبل الموظفين والذي كانوا يمجدون مؤسستهم الأكاديمية التي تواصلت معهم ودعتهم للقاء المفتوح مع مسؤوليهم، ثم كان الموظفون على موعد مع سرد يومياتهم في المؤسسات التي يعملون فيها، أو التي كانوا يتدربون فيها، وهم على مقاعد الدراسة الجامعية، وحين كان لابد من الشفافية، انهمر سيل من جوانب التقصير في مؤسسة معينة، وكيف كان موظفوها يقضون يومياتهم، ومن سوء الطالع لأحد رؤساء الوحدات الحاضرين أن تكون المؤسسة المعنية بالنقد والتقصير هي مؤسسته، فما كان منه إلا أن يخرج عن هدوئه، ويستميت في الدفاع عن مؤسسته دون أن يعطي نفسه أو حتى الموظف الفرصة للتبين مما طرحه من جوانب التقصير ربما قد يكون محقا ويستفيد منها في تطوير مؤسسته.

وذات يوم يممت وجهي إلى مؤسسة معينة، وفور دخولي على الموظفين المعنيين بمقابلة الجمهور في الساعة "العاشرة صباحا" اختصرت لي قسمات وجوههم عدم رضاهم أولا عن أنفسهم كيف يوضعون في ذلك الموقع الوظيفي وهم مفلسون من الابتسامة والتخاطب مع الجمهور وحسن التدبير والتصرّف، فما كان منهما إلا نفراني من المؤسسة بفوقية حديثهم وغلظتهم معي، وسطحية إجاباتهم عن استفساراتي، وقد عاهدت نفسي ألا أعود إلى تلك المؤسسة مرة أخرى إلا إن كنت متهيأ لعبوس وجوه موظفيها، وقبيل خروجي من المؤسسة قابلني موظف بالمؤسسة -على ما يبدو يتهيأ للتقاعد عن المؤسسة ليس فقط لكبر سنه، بل ربما لما يراه يوميا من موظفي المؤسسة الشباب "اللامبالين" وتعاملهم مع جمهور المؤسسة - فبادرني بالسؤال - بعد ما قرأ من قسمات وجهي الاستغراب والاستنكار -  فقال لي تفضل يا ولدي: ممكن أساعدك بشيء، فقلت نعم: فعرضت له ما عرضت لموظفي المؤسسة الذين قابلتهم في صالة خدمة المراجعين، فأجابني بخبرته وسعة صدره، واختصر لي وقتا ثمينا لإنهاء معاملتي، فاستطردت قائلا: لماذا لم يجبني الموظفون الذين دخلت عليهم بمثل ما أجبتني، هز رأسه غير متفاجئ، قائلا: يا ولدي خلها على الله، وامسحها في وجهي، بمعنى: "حقك علي"، كناية عن أن ما رأيته في مؤسستنا ما هي إلا من يومياتنا المقيتة.

وعودة على ذي بدء، فهل يوجد ضمن استراتيجيات مؤسساتنا الحكومية تقييم أدائها من الجمهور فيما يتعلق بخدماتها المقدمة للجمهور، هل تحقيق رضا الجمهور مسألة مستعصية على مؤسساتنا، فكثيرا ما نسمع ونشاهد ونقرأ في شبكات التواصل الاجتماعي عن رضا الجمهور عن شرطة عُمان السلطانية، ووزارة النقل والاتصالات، وفي ذات الوقت نسمع الكثير من النقد اللاذع والتهكم على مؤسسات أخرى، ترى ما الذي منحته تلك المؤسستان ليرضى عنها الجمهور، ولم تمنحه الأخرى ليتهكم عليها صباح مساء.

وإن كنت على يقين بأن كل رؤساء الوحدات الحكومية على دراية بانطباعات الجمهور تجاهها، لكنهم - على ما يبدو- غير مكترثين فيها إلا في تأدية الواجب فقط الذي لا يؤدونه كما يجب والجمهور هو الحكم، فلماذا لا يتم تفعيل تقييم الجمهور للخدمات المقدمة لهم من المؤسسات الحكومية بل تقييم الموظف الذي أنجز الخدمة، ويتم من خلال توظيف أدوات التكنولوجيا الحديثة في ذلك، أليس من حق المراجع أي تنجز معاملته في أقل وقت وجهد ممكن، أليس من حق الطالب في المدرسة أو الجامعة أن يقيّم أستاذه والخدمات المقدمة له من مؤسسته التعليمية، أليس من حق المريض أن يحصل على حقوقه الصحية التي كفلها له القانون، وهكذا ...

كل ذلك لن يتأتى إلا إذا استشعرت المؤسسات الحكومية، وقياداتها أن مسؤوليتها ونجاحها الحقيقي ورسالتها الوطنية تقتضي منها أن تؤدي واجباتها بمستوى عال من الاتقان وبأقل كلفة ممكنة، خدمة لأبناء هذا الوطن العزيز وكل من ينعم على أرضه بخيراته.

فبوركت الأيادي المخلصة التي تبني عُمان بصمت.

[email protected]