الأحد, 23 سبتمبر 2018

مقال : برلمان البحرين بين توطيد الكيان وزعزعة البنيان (1-2)

السبت 30 يونيو 2018 07:45 م بتوقيت مسقط

عبيدلي العبيدلي

تزحف عقارب الساعة السياسية في البحرين بسرعة، قد تبدو للمراقب العادي أنها بطيئة، لكنها سريعة بمقياس ذلك المراقب السياسي المحنك، نحو موعد انتخابات المجلس النيابي القادم (2018). ومع اقترابها من ذلك الموعد يدب النشاط في أوساط مكونات العمل السياسي البحريني، بين من "فاق" مبكرا، فسارع إلى ترشيح نفسه، وراح رويدا رويدا يبني لبنات مشروع حملته الانتخابية؛ سواء بنسج التحالفات، أو بالإفصاح عن مشروعه السياسي، معبرا -بشكل مباشر أو غير مباشر- أنه مع المشاركة في هذا البرلمان من جانب، وأنه يضع مسافة، تقصر أو تطول، بينه وبين دعوات المقاطعة، بغض النظر عن الصيغ التي يستخدمها من يقف وراءها، أو اللبوس الذي يرتديه، وبين من يستحضر المقاطعة بشكل واضح وصريح، ويحذر من مغبة الانخراط في صفوف من يدعو لخلافها، ويجيش من أجل إنجاح مشروع المقاطعة مناصريه وأعوانه، من أجل التمسك بما تحتضنه المقاطعة من سلوكيات واتجاهات. وبين هذين النقيضين الواضحين في لونيهما، تنتشر مكونات أخرى تتسربل في مجموعة أخرى من الألوان تعكس فيما ألوان الطيف السياسي البحريني بكل مكوناته، لكنها لا تحظى بذات الحضور ولا التأثير الذي ينعم بهما أي من ذينك النقيضين.

الصورة الأكثر حضورا في المشهد السياسي البحريني اليوم، فيما يتعلق بالموقف في البرلمان، هي تلك التي تملأ المساحات اللونية المنادية بالمشاركة التي تبرز نفسها، وعلى قدم المساواة والوضوح مع تلك الفئات التي تصر على المقاطعة، ولا تكف عن الترويج لمساوئها، وتصل في أحيان كثيرة إلى التلويح إلى مخاطرها على مسار وتطور العمل السياسي في البحرين. لكلا الفريقين، الداعي للمشاركة، والمنادي بالمقاطعة، نلفت النظر إلى مجموعة من الحقائق التي ينبغي ألا تغيب عن ذهن تلك المكونات وهي تخوض غمار ساحات وغى المقاطعة، أو تنخرط في معمعان المشاركة، ونرصد الأبرز بين هذه الحقائق، في النقاط التالية:

1- إنَّ البرلمان وهو محصلة طبيعية للمشروع الإصلاحي الذي قاده جلالة الملك، إنما هو في جوهره مآل تضافر مجموعة من القوى تفاعلت بشكل إيجابي مبدع، وفي ظروف مستجدة معينة حينها، أينعت بفضلها شجرة ذلك المشروع الإصلاحي، وفي القلب منه البرلمان، والدستور الذي رافقه. ومن هنا، فإن هذا المشروع الذي ينبغي التمسك به، وعدم التفريط في مكتسباته، مهما بدت صغيرة الحجم، هو النتيجة الحتمية لتلاقح نضالات شعب البحرين، لما يقترب من قرن من الزمان، مع إرادة ملك شاب، أراد أن يدشن عهده بخطوة إيجابية نحو الأمام، في اتجاه مجتمع مدني متطور، ووفق مقاييس محددة. ومن ثم فمن غير المنطقي إجهاض تطلعات ذلك الشعب، ولا تشويه طموحات هذا الملك.

2- أن البديل المنطقي والطبيعي لغياب البرلمان، بغض النظر عن النوايا، هو العودة للوراء، بعد الاستدارة السلبية نحو هوة واقع البحريني السياسي التي سبقت المشروع الإصلاحي، والتي كان يحكمها حينها قانون "أمن الدولة" سيئ الصيت الذي وأدته المحصلة التي أشرنا لها أعلاه. ربما تتغير سحنة ذلك القانون، وتتلون مواده، في سحنتها الجديدة، لكنه، إذا ما قدر له العوة، فلن يتلكأ، ولا للحظة واحدة في الانقضاض على ما حققته الفسحة الديمقراطية التي نعمت بها مكونات العمل السياسي منذ مطلع هذا القرن. ولن يكتفي ذلك الانقضاض، كما قد يتوهم البعض، او يحلم البعض الآخر، بتقليص مساحتها، بل سيكمل طريقه كي يقبرها، ليتسنى له، أي ذلك القانون، أن يلوي رقبة التاريخ، ويعيد مسيرته نحو الوراء، بما يكفل تقييد الحريات، وتكميم الأفواه، ومصادرة العمل بالدستور، بل وربما إلى ما هو أسوأ من ذلك بكثير.

3- أن الاشتباكات في المجتمع، ومن ثم نتائجها، هي ثمرة صراعات تخوضها قوى مختلفة، تتباين في مشاربها، لكنها محكومة هي الأخرى بما يتمخض عنه صراع ثانوي داخل كل قوة منها، هو ما أصبح يعرف في قاموس العمل السياسي الصراع بين الحمائم والصقور. وهو صراع يفرض نفسه داخل كل واحدة من القوى على حدة. والمكون السياسي الجريء هو ذلك الذي ينجح، بشكل مبدع ومبتكر، في تعزيز حضور وسيطرة الحمائم، على حساب نفوذ الصقور، في صفوف القوى الأخرى المناوئة له، والتي ليست بالضرورة معادية، بل ربما منافسة. لكن الأهم هو ان يجرد صقور القوة المعادية له، من قدرتها على فرض برنامجها داخل صفوفها، او القوى التي تنتمي لها. مثل هذه النظرة الميدانية الفاحصة، بحاجة إلى عقلية جدلية غير جامدة، وخبرة غنية متفاعلة مع الحدث السياسي، وقادرة على قراءته على نحو مبدع، بعيدا عن العواطف أو الجمود.

4- أن خوض الصراعات والمنافسات السياسية بشكل حاد وقاطع، وغير مرن، من شأنه، شاء من ينخرطون فيه أم أبوا هو عنصر سلبي، أن يضر بالقوة المتنافسة كافة التي تقذف بنفسها، بوعي أو بدون وعي في أتون فرن متأجج، يصهر في بوتقته تلك القوى دون استثناء لأي منها، ويبخرها في هيئة فقاعات غازية غير قادرة على الثبات في مكان، او التأثير في مجال. وما يبدو من أرباح تجنيها أي من القوى في مستهل ذلك الصراع، لا تلبث ان تتلاشى، ويكتوي بنارها من توهم أن دخوله معترك الصراع سيصب في مصلحته. ومن ثم، وعودة لحديث عن صراع القوى التي تدعو إلى المشاركة، وتلك التي تنادي بالمقاطعة، يجدر بكلتيهما ان يعيدا حسابات كل منهما على حدة، كي يكتشفوا السلبيات التي نحذر منها. والتجربة البرلمانية البحرينية، سواء تلك التي نعيشها اليوم، أم شقيقتها التي عاشها المكون السياسي البحريني في برلمان السبعينات من القرن الماضي، غنية بالدروس والعبر التي تستحق الدراسة المتأنية الواعية البعيدة عن الانفعال، غير المبرر.