الجمعة, 16 نوفمبر 2018

مقال : ألا من نظرة خاصة للمناطق البعيدة؟

الثلاثاء 10 أبريل 2018 10:21 م بتوقيت مسقط

حمد بن سالم العلوي

لقد بدأت النهضة العُمانية الحديثة بعد عام سبعين من القرن الماضي، وقد انتشلت عُمان من القرون الوسطى إلى العالم المعاصر المُتحضر، فلا عجب إن ظلت بعض المناطق البعيدة خارج نطاق التنمية الشاملة، وذلك بالنظر إلى الجغرافية الصعبة لعُمان ومحدودية الموارد، ولكن العجب كل العجب أن يتساوى الحال بين تلك المناطق والعاصمة وجوارها القريب، فلا فارق في الرسوم والضرائب بشكل عام، ولا فارق في اشتراطات البناء والتعمير، الأمر الذي دفع بالبعض للنزوح من القرى البعيدة إلى المدن الأكثر نشاطاً ونماءً، وقد فعلوا ذلك لأنَّ الحكومة ساوت بينهم في الرسوم والأنظمة الصارمة، ولكن لم تساوي بينهم في التنمية والخدمات العامة، فأن يبني الإنسان في القرى البعيدة بيتاً من الحصا والطين، كما فعل الأوائل فليس عجباً، ولكن سيكون عجباً إن هو فعل ذلك في مسقط مثلاً، فلماذا يلزم الناس بما ليس في مقدورهم.

إنَّ المواطن ينشدُ من الحكومة العدالة وليس المساواة، فعلى سبيل المثال أعرف قرية هجرها أهلها مع بداية النَّهضة، لأنهم أرادوا لأبنائهم التعليم في المدارس، ولم تتوفر لهم خدمات الطريق والكهرباء، وقد عذروا الحكومة وقتذاك، لأنهم يعلمون صعوبة توفير كل الخدمات في وقتٍ واحدٍ، خاصة للمناطق الجبلية البعيدة عن أمهات المدن، ولكن ظل الأهالي يطالبون بالطريق حتى وفقوا أخيراً بطريق ترابي منذ عامين تقريباً، لكن وجدوا حارة القرية قد تهدمت بفعل عوامل الزمن، وضعفت المزروعات نتيجة بُعد أصحابها عنها، فأصبح يحق لهم اليوم أن يعوَّضوا عما مضى بخدمات سريعة، تُساعد الناس في العودة إلى قريتهم، ومثل هذه القرية لا شك هناك قرى كثيرة.

إذن هذه المناطق البعيدة التي لم تصلها يد التنمية بعد لظروف يعلمها الجميع، فإنه في المقابل ينبغي على الحكومة أيضاً، أن تتساهل في بعض الأنظمة والقوانين المتشددة، ويخفف عنها الرسوم والضرائب، أو حتى تعفى منها ولو مؤقتاً، كنوع من الدعم والتعويض لها عمَّا مضى، ويكفي الناس أنهم صمدوا في قراهم ومناطقهم، ولم يهجروها كما فعل غيرهم، ومن هجرها مُكرهاً يجب أن يشجع على العودة إليها، وأن يُسرَّع له ببعض الخدمات الضرورية، وألا تظل لهم البلدية بالمرصاد، فإن هم وضعوا حجراً على حجر، أو زورة على زورة قاموا عليهم، فالحياة الريفية والقروية ستحتاج إلى تربية بعض المواشي والحيوانات، فتأتيهم البلدية تقيس لهم المكان بالشّبر والمتر، وترغمهم على دفع الرسوم وهم يشكون الوحدة والفراغ، ويتمنون على الناس أن يأتوا لجيرتهم، فالفارق كبير بين من يُقيم في زحمة سكانية، ومن تبرع بنفسه ليحيي أرضاً هُجرت من الناس.

إنَّ مناطق كمسندم أو المزيونة أو أطراف الصحراء أو أدغال الجبال، وحتى المناطق الحدودية والأطراف البعيدة، كلها مناطق تحتاج أن يكون لها وضع خاص، وأن يذهب إليها المسؤول الجالس في المدينة، ويرى بأم عينه وضع الناس هناك، وأن يحترم خصوصيتهم وبقاءهم على حالهم بالوضع الذي هم فيه، وأن ينظر إليهم نظرة الجندي المجهول، الذي نصّب من نفسه حارساً على تلك الثغور البعيدة من طمع الطامعين، أو فساد المفسدين في الأرض.. وهم اليوم كثر، وإلا علينا أن نستعد للبكاء على ماض نحن ضيعناه، فضيعناه بأيدينا وإهمالنا وبهدرنا للفرص في تنمية المجتمعات البشرية في المناطق الريفية والبعيدة.

إنِّ العلاج الذي يأتي في وقته لا يكون مكلفاً كثيراً، ولكن بتفويت الفرص فنحن من يصعّب الحلول، لذلك يتوجب على الحكومة أن تذهب إلى الناس وتسمع منهم، وإذا حضروا إليها أن تسمع منهم ولا تسد الأبواب أمامهم، فمن طلب تعميق بئر ليسقي نخيلات قليلة يترزَّق منها، أو يسقي ماشيته منها أو حتى لشربه هو منه، فيجب أن تسهل السُبل له، ومساعدته بالمال قدر المستطاع. ففي مطلع النهضة كان هناك مكتب لمستشار الأمن القومي يُقدم مساعدات مالية للمواطنين من الحكومة، وتأتي في وقتها ومكانها، لأنه يعرف بحكم الخبرة معنى تلك المساعدات، أما اليوم فغياب الاهتمام هو السائد للأسف الشديد، فيُترك المواطن يصارع مشاكله بنفسه، حتى إذا عجز عن حلها تركها وهجر المنطقة، وقد يُغادر البلد تماماً إلى بلد آخر، وهناك يجد من يتلقف المستاء ليستغله في خدمته، وهنا نتذكر نحن القيم الوطنية لنعيّره بها لأنه لم يصبر على الضرر حتى الموت.

هذا مناف للواقع والمنطق، وعدم توفير الخدمات الضرورية للناس غير مقبول، وذلك بحجة الأزمات الاقتصادية كالتي نمرُّ بها حالياً، فليس هناك من حجة مُقنعة، فالأزمة الاقتصادية عام 1986، كانت مفاجئة والأكثر قسوة؛ حيث وصل سعر برميل النفط 8 دولارات، ولكن الأمور ظلت تحت السيطرة، ووقتذاك كانت الدولة تحتاج لكل شيء، وليس لديها شركات منتجة أو شركات كثيرة تدفع ضرائب ورسوم كما هو الحال اليوم، ولا روافد دخل أخرى عدا ذلك النفط القليل، ومع هذا تجد الحكومة تفرض الضرائب والرسوم، وكما يقول المثل العُماني "المنجور يصيح والماء شيلته الريح" فبات الجميع على قناعة بأن ثمة خلل في الإدارة والتنظيم لدى البعض..

وختاماً نقول، حفظ الله عُمان وسلطانها الفذ الحكيم، وحفظنا الله جميعاً من كل سوءٍ ودسيسة دنيئة.