الثلاثاء, 18 سبتمبر 2018

مقال : الأوصياءُ على الناس..!

الأحد 20 أغسطس 2017 08:39 م بتوقيت مسقط

د. صالح الفهدي

ما أن يقضي الله أجَلَ روحٍ من الأرواحِ في الدُّنيا، كانَ صاحبها ذا شهرةٍ في مجالٍ من المجالاتِ حتى يصدر حكمٌ نهائيُّ متهوّرٌ ممن يزعمُ أنه "الداعيةُ إلى الله" بأنَّ فلاناً ليسَ من أهلِ الرّحمةِ، فلا تجوزُ عليهِ الصلاة، ولا يدفنُ في مقابرِ المُسلمين..!!

وواللهِ إني لا أستغربُ ما أوصلنا إليهِ هؤلاءِ فذلك نزرٌ من وزر، إذ ألقوا بالأمّةِ الإسلامية في ظلماتِ الجهلِ والتحجُّرِ، في وقتٍ تقاومُ فيه من أجلِ نهضتها، واستيقاظها، لتلحقَ بركبِ المتقدّمين من الشعوبِ والأمم..!

لا أستغربُ منهم ذلكَ فقد جعلوا أنفسهم أوصياءَ على النّاس، لأنَّ الغرورَ يوصلُ صاحبه إلى منزلٍ وضيعٍ يحقِّرُ فيه كل ذي نفسٍ لا تشاكله، وكل ذي فكرٍ لا يماثله..! زكّوا أنفسهم فأوصلوها إلى درجةٍ تمنحُ فيها صكوكَ الرحمةِ والغفران لكلِّ إنسان..! زكّوا أنفسهم فأصابها التعالي، ولم يستوعبوا قول الحق سبحانه وتعالى"فَلَا تُزَكُّوا أَنْفُسَكُمْ هُوَ أَعْلَمُ بِمَنِ اتَّقَى"(32/ النجم).

فأيُّ دعاةٍ أنتم تزعمون أنكم تدعونَ إلى اللهِ، والله محسنٌ لا ظالم، رحيمٌ لا قاسٍ، كريمٌ لا بخيل؟! أيُّ دعاةٍ أنتم تعملون ليلَ نهارٍ على شقِّ صفوفِ الأمّةِ، وفرقتها بما تثيرونه من نعراتٍ مذهبيةٍ، وعصبياتٍ طائفيةٍ وشعبويةٍ والدينُ الذي تنتسبون إليه يدعو للرحمة والموعظةِ الحسنة، ويدعو للإعتصامِ بحبلِ الله وعدم التفرُّق؟! أيُّ دعاةٍ أنتم وتدّعونَ أنَّ الله عفوٌّ، غفورٌ، رحيمٌ، محسنٌ، بينما تسلكون طريقاً آخرَ ينفرُ منه كل قلبٍ، ويجزعُ عنه كل عقل؟! تدّعون أنكم نزيهون في دعواتكم إلى الله ويصدقُ عليكم قول أحد البسطاءِ "نريدُ من علمائنا أن يوصلونا إلى الجنّةِ ويريدون منّا أن نوصلهم إلى السلطة..!"والسلطة ليس معناها محصوراً في المنصب السياسي، وإنّما في ممارسة النفوذ على الناس وتوجيههم وهذا ما يتحقق لكم..!

إنني هنا لا أستثني أحداً من المغالين في كل مذهب من المذاهب، هؤلاءِ الذين جعلوا دينَ اللهِ على أسنّةِ السيوفِ، وغرزوا راياتِ الشهادةِ على جماجمِ الأبرياء..! لنكن صرحاءَ دون أن نواربَ في الإشارةِ والتلميح في القولِ أن هذا الفكرِ العفن الذي ينسبُ نفسه للإسلام قد تسبّبَ في تأخّرنا عن التقدمِّ لأنّه حصرنا على قضايا لا تخدم الأمّةِ وإنما تبقيها في دوائرَ ضيّقةٍ بعيدةٍ عن معطيات العلم، وأسبابِ الحضارة، وأوجدَ عقولاً معطّلةً لا تؤمنُ بالتفكيرِ وإنّما تقدّس التبعية العمياء، ودفعَ بشباب الأمّة إلى مواطنِ الهلاك بذرائعَ بعيدةٍ عن الدّينِ، كما نفّرَ على الطرف الآخر من دينهم فألحدوا .. وفطرةُ الدينِ واقعةٌ بين هاتين الضلالتين..!..

دعاةٌ يصوّبون سهاماً سامّةً إلى قلبِ الأمّةِ ثم يعتذرون بالقول: أن ذلك كان سوءَ فهم..! نعم سوءَ فهم لأنَّ الأمّةَ في نظركم رعاعٌ يتّبعونُ ولا يتمعّنون، فإن هم صدّقوكم في كل ما تحشون به أدمغتهم فقد تم لكم المراد، وإن هم ثاروا عليكم انتبهتم إلى أن عقولهم لا زالت تعمل فأسكنتموهم بعبارة"سوء فهم".. والإعتذار أقبحُ من الذنبِ نفسه.. أقبحُ منه لأنّه ينمُّ عن تعالٍ وكبرياء..! فكأن القائلَ يتّهم العقول التي ثارتَ عليه بأنّها بلهاءَ لا تفهم مغزى كلامه، ومعنى حديثه..! سبحان الله حتى في اعتذاراتكم لا تتواضعون، ولا تحسنون..!

يصادرون رحمة الله عن عبادهِ، لعالمٍ قضى حياته في خدمةِ الإنسانية، وتطوير علومها، وحين يتوفاهُ الله، ينبري أحدهم: لقد مات على الكفر فلا تجوز الصلاةُ على جنازته..! ويموتُ فنّانٌ قضى حياته وهو يحملُ همّ الأمّةِ ويعبّرُ عن قضاياه بأعظم مما يعبّرون، وأثقل مما يحملون، وحين يقضى أجله يعلو صوتٌ من هذه الأصوات، هذا من المذهبِ الفلاني فهو كافرٌ في النار ..!! أين هؤلاءِ من مقولة سيدنا إبراهيم عليه السلام عن قومه: "فَمَن تَبِعَنِي فَإِنَّهُ مِنِّي وَمَنْ عَصَانِي فَإِنَّكَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ"(إبراهيم/36)، وأين هم من قول سيدنا عيسى عليه السلام " إِن تُعَذِّبْهُمْ فَإِنَّهُمْ عِبَادُكَ ۖ وَإِن تَغْفِرْ لَهُمْ فَإِنَّكَ أَنتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (المائدة/118) وأينهم من قول سيدنا نوح عليه السلام"وَلَا أَقُولُ لَكُمْ عِنْدِي خَزَائِنُ اللَّهِ وَلَا أَعْلَمُ الْغَيْبَ وَلَا أَقُولُ إِنِّي مَلَكٌ وَلَا أَقُولُ لِلَّذِينَ تَزْدَرِي أَعْيُنُكُمْ لَنْ يُؤْتِيَهُمُ اللَّهُ خَيْرًا ۖ اللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا فِي أَنْفُسِهِمْ ۖ إِنِّي إِذًا لَمِنَ الظَّالِمِينَ"(هود/31)، وأين هم من رحمة رسولنا الأعظم عليه أفضل الصلاة والسلام الذي وقف حين مرَت جنازة، فقيل له: إنها جنازة يهودي، فقال: أوليست نفساً..!!

أهم دعاةُ فتنةٍ وبغضاء وتفرقة أم دعاةُ سلامٍ وأمنٍ واجتماع..؟!

فيا أيها الدعاةُ انزعوا الأحقادَ من قلوبكم، واسلموها من الغرور، فإن الأمّة ما هلكت إلاّ على أياديكم وأيادي كل حاكمٍ ظالمٍ مستبدٍّ معكم.. ارحموا هذه الأمّة واتقوا الله في جراحاتها التي غارت، ارحموها ودعوا المنابر إن لم تستطيعوا أن تنزعوا الغلَّ من قلوبكم، فما صدرَ الصدقُ من قلبٍ يملؤهُ الغل، وما وصلَ الحقُّ من نفسٍ يغشاها الحقدُ والشحناء..!

إنني أُشيدُ ببعض رجال الأمةِ والعلماءِ النابهين المعتدلين، الذين نحبُّ أن نسمعَ اعتدالهم، وإتزانهم، وجمعهم لكلمة الأمّة على نهجٍ سواء، واتحادها من أجل العطاءِ والبناء، وفي هذا السياق أنقلُ ما قاله الشيخ سليمان الماجد تعليقاً على تصنيف البشر من قبل بعض من يتسمون بالدعاة، حيث يقول "إنه موضوع غاية في الخطورةِ؛ أن ينشغل الإنسان بالناس تفسيقاً وتبديعاً وتكفيراً وهو في غنىً عن ذلك.. إنسان جالسٌ في بيته ليس له غرضٌ وليس له أي حاجة فيبدأ بتصنيف الناس: هذا فاسق، وهذا ليس بفاسق، هذا مبتدع وهذا ليس بمبتدع، هذا كافر وهذا ليس بكافر، لقد أغناك الله عز وجل عن هذا، وسيدخل أهل الجنةِ الجنة، وأهل النار النار، ولن يسأل أحد من الناس: هل كفّرت فلاناً بعينه أم لم تكفّره" ..

وإنني أشيدُ بإحالةِ كل مغالٍ في فكره، ظالمٍ في حكمهِ، متطرفٍ في فتواهُ إلى القضاءِ ليحكمَ في أمره، حتى يحذرَ كل من يتسنّم المنابر، أو يلغو في الوسائل الإعلامية المتاحة فيما يقولُ ويفعل من تفسيق الناس وتكفيرهم..!

الأمّة اليوم بحاجة إلى الاعتدالِ في كل أمورها، والوسطية في مصالحها، ديناً، وسياسةً، واقتصاداً، ولن يتصدى لذلك إلاّ أصحاب العقول المستنيرةِ، والقلوب السمحاء، ولا تعدم الأمة منهم، فلتقدّموهم في المنابر والواجهات ليكونوا هم القدوات الحقيقية لشباب الأمة لا المتطرفين المغالين الذين دفعوها إلى الهلاك وسوء العواقب..!