الخميس, 20 يونيو 2019
32 °c

مقال : لا تكن كالمهندس أيمن!

الأربعاء 02 أغسطس 2017 07:38 م بتوقيت مسقط

 

راشد الجنيبي

أيمن شاب في العقد الثالث من العمر، مُتخصِّص في الهندسة البترولية، ويعمل في كبرى شركات النفط في بلاده، وظيفته مرموقة، راتبه عالٍ جدًّا؛ حيث يحصل على 4000 ريال عماني غير العلاوات والبدلات، وله قرض من مؤسسة عمله دون فوائد بقيمة 100 ألف ريال عماني، يعمل من الساعة السادسة صباحاً حتى السادسة مساء، لكنَّ راتبه مُجزٍ ويستحق كل هذا العمل والعناء، له 30 يوما كإجازة سنوية، ويحلم أيمن الآن بالزواج، وبَدأَ ببناء بيت جديد استعداداً لذلك.. أيمن أمام المجتمع هو الكامل الناجح الواصل!

وفي المقابل، أيمن شابٌّ تعيس في الثلاثينات من عمره، ليس لديه هدف منشود لوجوده، تخصص لدراسة هندسة البترول بعد أن ضغط عليه والده، وسلطت والدته حجه الراتب "الراهي" على ذهنه، وحث رفاقِهِ له ليكون معهم مع "الهبة" مع "الشلة"، حتى سلَّم أمره مُستسلما وداس على نفسه وقبل بهذا التخصص، وترك رغبته بدراسة العلوم السياسية والعمل في السلك الدبلوماسي. أيمن شابٌّ ملول عابس، يصحو دائما باكتئاب ليتوجه إلى عمله، وفورَ وصوله يتمنى أن تحل الساعة السادسة مساءً ليهرع إلى المنزل لينام علَّه يحلم بواقعٍ مختلف، وحصر مهمته وطاقاته الذهنية فقط في انتظار نهاية الشهر للحصول على الراتب، أيمن يفكر الآن بالزواج وبناء منزل لإيواء عِش الزوجية، تمنِّياً منه أنْ الزواج قد يخلق له شيء من المرح ليلون به روتينه الباهت الفاقد للون من ألوان الحياة.. أيمن أمام المِرآة.. ناقص فاشل متعثّر!

بعيداً عن هذا السيناريو التراجيدي، قبل شهر من الآن تقريباً، أُعلِنت نتائج طُلَّاب الدبلوم العام من وزارة التربية، ويمضي الآن الطلاب إجراءات القبول الموحد لإتمام إجراءات فرز الفرص للدراسة الجامعية، ومن الطبيعي أن تكون هذه الفترة الأكثر ضغطاً وإحراجاً على الطالب إن لم تكن كذلك طول السنة؛ لأن هذه الفترة تُعتَبر مصيرية لمستقبل هؤلاء الشباب، وقرارهم في هذه اللحظة سيبنون عليه مستقبلهم ويتحملون تبعاته، عادةً ما يُؤثِّر على الطالب في هذه المرحلة الضغط العائلي أو من الأقارب سواءً في كسب الدرجات أو حتى اختيار واقتناص فُرص العمل والدراسة؛ فيصبح لديه هاجس الدراسة لكسب الدرجات وليس لرسالة العِلْم بنفسها، بل ظنًّا منه وجهلاً قد تصبح درجته بالنسبة له ولغيره معياراً لمستواه العقلي ولذكائه الاجتماعي بل حتى لنجاحه، ثم يأتي بعد ذلك أمر التخصص ويتأثر بضغط والديه وكلام رفاقه، أو بالأحرى "عدم وجود توجيه" لكيفية اختيار التخصص وكيفية تحديد الأهداف الحياتية، يجب أن يكون هناك وحي من التوجيه ومسألة التوجيه هذه، من الصعب جدًّا أن نسمي شخصاً أو مدرسةً أو وزارة لنوكلها هذه المهمة.

رجوعاً إلى سيناريو أيمن، إذا اختصرنا مأساته سنجد أنها في اختيار التخصص، وهناك حقاً قاعدة لكيفية اختياره وسبل أخرى لذلك، لكن قبل كل هذا يجب أن يعيش الفتى حلمه ويعيش لحظة تحقيق أهدافه التي يرى أن قدراته وحدود كوامنه قد سُخّرَت لها، منذ نشأة الطفل بدايةً يجب أن يزرع (بفتح الياء وبضمها) في نفسه حلما وهدفاً سامي يُنذِرُ حياته كلها من أجلها، ومع الخبرات والصقل والتجارب يكون هدفه أكثر موضوعيّة وتحديداً، أي يحلم طفل بأن يكون طبيباً، ثم مع السنين تتضح رؤيته عن الطب ويتم طريقه أو يغيره، وإن تم يبدأ بتحديد مجاله في الطب...وهكذا وصولاً إلى فرعيات الطب، حتى يجد موطِئا في مجاله يطلق فيه عنان إبداعه ويعيش لحظته ويستنشق نسيم نجاحه.

السطور هذه موجَّهة بالتحديد لطلاب الثانوية دون غيرهم، الشاب عندما يصل لمرحلة اختيار التخصص، من الطبيعي أن يقع في حيرةٍ عظيمة وعصف أفكارٍ لا محدود، فإذا سأل أخاه المدير يزّكي أخوه الإدارة، وإذا سأل صديقه الطيار يجد أن الطيران هو المستقبل، وأما إذا استشار خاله فيرى أنَّ مستقبل البشرية كلها متوقّفٌ على تخصص الاتصالات لأن خاله مهندس اتصالات، أما إذا رجع لوالديه فإنه يصل لقناعة أنهم غالباً لا يكترثون بماهية التخصص، بل عادةً ما يهمهم الوظيفة التي توفِّر له لقمة عيش كريمة.. الأصل في الأمر أنَّ الطالب يجب أن يأخذ تصوُّرا عن تخصص كل من هـؤلاء الذين يسألهم وألّا يرمي مصيره لهم، وبعد ذلك يحدد قائمة من التخصصات التي من المحتمل أن يدرسها حسب ميوله ومواده، ثم يمرّر القائمة على ثلاثة معايير حسابية بسيطة: الرغبة والقدرة والفرصة، فيجعل لكل تخصص نسبة من عشرة لدرجة معيار الرغبة، ثم للقدرة، ثم للفرصة "سوق العمل"، وبعد ذلك يجمعهن على ثلاثين ويحدد التخصص الأقرب والأنسب لهذه الظروف الثلاث، وهكذا حتى يرسى قارب مصيره على ميناء تخصص ثابت.

على الطالب أن يُطبَّق كل ذلك بناءً على حلمه المخلوق في داخله، والذي اتخذه مصيراً لسبب وجوده، عكس المهندس أيمن تماماً، الذي جعل حلمه بالعمل الدبلوماسي أسيراً لزنزانة خوفه والمجتمع، وظَل يذوق مرارات قراره، على الشاب أن يهنأ بمتعة المغامرة الحق الواضحة، ويعيش اللحظة ويخط اسمه بأصابعه على لوح الخلود، عليه ألا يكون كالمهندس أيمن!!

--------------

ملاحظة: أيمن شخصية مُبتكرة "خيالية"

Rashidhj1139@hotmail.com

 

اشترك في حسابنا على يوتيوب لمشاهدة فيديوهات لأهم الأحداث العالمية والإقليمية