الجمعة, 16 نوفمبر 2018

مقال : التطرُّف الديني من التكفير إلى التفجير

الإثنين 05 ديسمبر 2016 06:44 م بتوقيت مسقط

 

 

صالح البلوشي

سألني أحد الأصدقاء مُؤخرا: لماذا تركِّز في مقالاتك على نقد التطرف المتمثل في التنظيمات السلفية فقط؟ ولماذا لا تكتب عن الميليشيات الطائفية التي تقتل الأبرياء في العراق؟ وكان جوابي: أن التطرف الديني هو مذموم سواء كان من طرف هذا المذهب أو ذاك، من هذه الديانة أو تلك، فكلها تشترك في ادعاء امتلاك الحقيقة المطلقة ومحاربة آراء الآخرين ومعتقداتهم والحكم عليها بالبطلان، ومن يراجع تاريخ الديانات المختلفة؛ فإنه يلاحظ أنها جميعها دون استثناء شهدت انشقاقات كبيرة بينها بعد سنوات قليلة جدا من ظهورها، ثم تطور الانشقاق إلى حروب طائفية سالت فيها دماء كثيرة، كما شهد التراث المذهبي لهذه الطوائف كثيرا من المجادلات والمناظرات المذهبية وأحكام التضليل والتكفير والتبديع وغيرها، وعندما نرجع إلى التراث المذهبي للطوائف الإسلامية نجد عناوين إقصائية جدا، فابن حجر العسقلاني مثلا كتب كتابا في الرد على أحد المذاهب، بعنوان: "الصواعق المحرقة في الرد على أهل البدع والزندقة"؛ فرد عليه عالم من ذلك المذهب بكتاب: "الصوارم المهرقة في الرد على الصواعق المحرقة"، وانتشرت عناوين، مثل: الصارم المسلول، والصواعق المرسلة، ورجوم الشياطين، والسيف البتار...وغيرها، ومن الطبيعي أنَّ كُتبا بهذه العناوين المخيفة لا يمكن أن نقرأ فيها حوارا منهجيا أو تسامحا، وإنما خطابات تحمل التكفير والتضليل وأقلها التبديع.

والذي سَاعَد على انتشار التطرف الديني والطائفية البغيضة أن كثيرا من الحكومات التي حكمت المسلمين في تلك الفترة، مثل: الدولة الأموية، والعباسية والفاطمية، والعثمانية، والصفوية...وغيرها، كانت تستغل الخلافات المذهبية من أجل تصفية المعارضين السياسيين، فحدثت حالات إعدام كثيرة باسم الدين والدفاع عن شريعة الله في الأرض؛ ولكن الدوافع الحقيقية إليها كانت سياسية، مثل: قتل الجهم بن صفوان سنة 128، وقتل غيلان الدمشقي سنة 125 من قبل الخليفة الأموي هشام بن عبدالملك، ثم قتل الحسين بن منصور الحلاج وصلبه سنة 309، وقتل فيلسوف الإشراق شهاب الدين السهروري الذي تم تصفيته بسبب اختلاف بعض رجال الدين معه سنة 665 وآخرون.

كما استغلَّت بعضُ الحكومات الخلافات المذهبية من أجل غزو مناطق أخرى تختلف معها مذهبيا واحتلالها، فعندما حاول الخليفة العثماني سليم الأول غزو إيران التي كانت تحت حكم الصفويين الشيعة استنجد بالمفتي العثماني نوح الحنفي الذي لم يتوان في سبيل إرضاء سيده بإصدار فتوى طويلة في كفر الصفويين وشركهم ووجوب قتلهم، جاء في مقدمتها: أعلم أسعدك الله أن هؤلاء الكفرة والبغاة الفجرة قد جمعوا بين أصناف الكفر والبغي والعناد وأنواع الفسق والزندقة والإلحاد ومن توقف في كفرهم وإلحادهم ووجوب قتالهم وجواز قتلهم فهو كافر مثلهم... إضافة إلى فتاوى أخرى لعلماء آخرين، مثل: ابن عابدين، وأبو السعود أفندي العمادي، وآخرون (انظر "تنقيح الفتاوى الحامدية" لابن عابدين ص 94-96). أما إسماعيل الصفوي، فقد اتخذ التشيع ستارا من أجل التصدي للاجتياح العثماني الذي نجح في احتلال معظم الدول العربية بعنوان: "الخلافة الإسلامية "، وفي الطرف المقابل كانت مؤلفات محمد باقر المجلسي سلاحا لدى حكّام هذه الدولة لمحاربة العثمانيين والحيلولة دون انضمام بلاد فارس إلى الدولة العثمانية، وفي العصر الحديث برز الصراع الطائفي على أشده بعد الثورة في إيران سنة 1979، ثم قامت الحرب العراقية-الإيرانية سنة 1980، وانهالت فيها الكتب المذهبية التي تحمل شعار "يُهدى ولا يباع" على المسلمين بمختلف اللغات كالسيل العرم حتى توقفت الحرب سنة 1988، ومرت على المنطقة فترة من الهدوء النسبي حتى حدث الانفجار الكبير في التاسع من أبريل سنة 2003، ذلك اليوم المشؤوم الذي شاهد فيه العالم الدبابات الأمريكية وهي تجوب شوارع بغداد في مشهد ذكَّرنا بالدبابات الإسرائيلية التي اجتاحت بيروت في عدوان سنة 1982، وبعد أقل من أربعة أشهر فقط قُتل الزعيم الشيعي محمد باقر الحكيم وأكثر من مائة شخص في انفجار ضخم بعد خروجه من صلاة الجمعة في مدينة النجف ليعلن تنظيم التوحيد والجهاد الذي كان يتزعمه أبو مصعب الزرقاوي مسؤوليته عن هذا الانفجار؛ وبذلك يتحول الصراع المذهبي في الإسلام من دائرة التنظير إلى القتل والتفجير.

إنَّ إدانة التنظيمات المتطرفة لا تعني أبدا إدانة هذا المذهب أو ذاك؛ لأن هذه التنظيمات خالفت جميع المذاهب الإسلامية المعروفة، فتنظيم داعش على سبيل المثال يرجع في إباحة قتل المخالفين إلى كتاب "فقه الدماء" لأبي عبدالله المهاجر وليس إلى أحد المذاهب الإسلامية، كما أن ضحايا هذا التنظيم هم من جميع المذاهب، بل إنَّ أهل السنة لقوا من ظلم وجور واضطهاد هذا التنظيم أكثر من المذاهب الأخرى، خاصة بعد أن اجتاح هذا التنظيم الموصل والرمادي والفلوجة وتكريت ومدنا عراقية أخرى في صيف سنة 2014.

إذن؛ نحن نتفق أن الفتاوى التكفيرية موجودة لدى جميع المذاهب الإسلامية -على اختلاف نسبي بينها- ولكنها كانت سابقا قبل الثورة المعلوماتية التي تجتاح العالم مسطورة داخل الكتب والمراجع الفقهية والعقدية فقط، وكان لا يطلع عليها إلا الفقهاء الكبار فقط؛ ولكن الذي حدث أن هذه الفتاوى انتشرت في عصر الإنترنت والبث الفضائي بشكل مخيف جدا ودخلت إلى البيوت، والمقاهي، ومكاتب العمل، والأسواق وتلقفتها أيدي الجهلة من عوام الناس، الذين بدورهم تم استغلالهم من قِبل التنظيمات المتطرفة وبعض رجال الدين المتعصبين لترجمة هذه الفتاوى إلى أرض الواقع  تنفيذا لأجندتهم الطائفية والاستخباراتية. لذا؛ فعندما نوجِّه أي نقدٍ إلى هذه التنظيمات؛ فإن النقد هو لبنيتها الفكرية والتنظيمية وليس لأي مذهب إسلامي.