نافذة عُمان للانطلاق إقليميًا وعالميًا في مجالات التصنيع والخدمات

"الدقم" تقود جهود تعزيز المحتوى المحلي عبر بوابة اللوجستيات ومشاريع الطاقة

 

مطالب بإعداد خارطة للفرص الاستثمارية والتجارية المخصصة لـ"الصغيرة والمتوسطة"

التوريدات الصناعية من بين أكبر فرص تعظيم المحتوى المحلي

تأكيد الدور الحيوي لمراكز الأبحاث في دعم الابتكار ونقل المعرفة

ضرورة الاهتمام بالتنمية السياحية في الدقم لخلق فرص عمل للمواطنين

الصواعي: مشاريع المحتوى المحلي رافعة اقتصادية قادرة على تعزيز النمو

"سلة طلب موحدة" للمشاريع القائمة يدعم مساعي التصنيع المحلي بدلًا من الاستيراد

إنشاء مصانع وتقديم خدمات في الدقم يرفع كفاءة التوريد ويُخفِّض كلفة التشغيل

وجود مخازن استراتيجية لمواد التشغيل وقطع الغيار يُقلِّل الاعتماد على الشحن العاجل

ضرورة تبني "مؤشر مُركَّب" لقياس مدى نجاح مشاريع القيمة المحلية المضافة

الحجرية: الدقم بيئة مناسبة لنمو مشاريع المحتوى المحلي

ضرورة ربط الالتزامات التعاقدية بخطط استثمار صناعي طويل الأجل

ضرورة العمل على رفع جودة المنتج المحلي بدلًا من فرضه بالإلزام

بناء القدرات الوطنية المؤشر الأكثر استدامة في مشاريع القيمة المحلية

العبري: ضرورة ربط مشاريع المحتوى المحلي ببناء قدرات إنتاجية مدعومة بطلبٍ مضمون

التركيز على تطوير عناقيد صناعية مُنسجمة مع الأصول الاستراتيجية بالدقم

تبني نهج انتقائي لتوطين مدخلات الإنتاج يحقق النجاح المأمول

نسب المحتوى المحلي وعدد المصانع لا يمثلان مؤشرًا حاسمًا على نجاح "القيمة المحلية"

الأرقام قد تعكس امتثالًا شكليًا عوضًا عن كونها تحولًا اقتصاديًا مُستدامًا

 

 

الرؤية- ريم الحامدية

 

سلَّطتْ مجموعة "قيمة" الضوء على آفاق تعزيز المحتوى المحلي في المنطقة الاقتصادية الخاصة في الدقم؛ باعتبارها أحد أبرز المرتكزات الوطنية القادرة على إحداث فارق ملموس في معدلات نمو اقتصادنا الوطني، بفضل ما تزخر به المنطقة من مقومات استراتيجية وفرص استثنائية للنمو الصناعي والتجاري.

وخلال مساحة نقاشية مفتوحة بمشاركة "الرؤية"، أكد مختصون أن الدقم تقف أمام مرحلة مفصلية، مدفوعة بموقعها الجغرافي، وبنية أساسية عالمية المستوى، ومشاريع صناعية كبرى في مقدمتها "مصفاة الدقم (OQ8)"، إلى جانب النمو المتسارع في القطاعات اللوجستية والبتروكيماوية والطاقة؛ ما يؤهِّلها لتكون مركزًا إقليميًا للتصنيع والخدمات، شريطة العمل الواعي والمتكامل لتعظيم القيمة المحلية المضافة.

شعار قيمة.jpeg
 

فرص واعدة

وفي هذا السياق، تطرقت النقاشات إلى أبرز فرص تعزيز المحتوى المحلي؛ حيث أشار المختصون إلى أن الفرص ترتبط بعدة قطاعات وفق طبيعة المنطقة، من بينها: اللوجستيات والنقل والتخزين وسلاسل الإمداد والتموين والوكالات البحرية، مؤكدين أهمية إعداد خارطة واضحة للفرص الاستثمارية والتجارية الموجهة للمؤسسات الصغيرة والمتوسطة، وربطها مباشرة بالقطاعات العاملة في المنطقة الاقتصادية، لا سيما الصناعات المرتبطة بقطاع النفط والغاز ومشاريع الهيدروجين الأخضر، إلى جانب توفير حزم تمويلية تنافسية.

ويرى المختصون أن التوريدات الصناعية تمثل إحدى أكبر فرص تعظيم المحتوى المحلي في الدقم، من خلال تصنيع قطع الغيار والمعدات داخل السلطنة بدلًا من استيرادها من الخارج؛ لما في ذلك من أثرٍ مُباشرٍ في رفع نسبة المحتوى المحلي وتعزيز التعمين، إضافة إلى فرص واعدة في إعادة تدوير المخلفات الصناعية وتحويلها إلى منتجات قابلة للاستخدام محليًا.

وفيما يتعلق بصناعة الهيدروجين الأخضر، شدد المشاركون في النقاش على أهمية تنفيذ حزمة متكاملة من المشاريع تعمل جنبًا إلى جنب لإنجاح هذه الصناعة، مع التأكيد على الدور الحيوي لمراكز الأبحاث في دعم الابتكار ونقل المعرفة.

القطاع السياحي

ولم تغب السياحة عن النقاش؛ حيث أشار المختصون إلى ما تتمتع به الدقم من مقومات سياحية واعدة، يمكن تعزيزها عبر إقامة المنتجعات والمرافق السياحية، وربطها بالولايات والمناطق المجاورة مثل محوت، بما يسهم في تنويع النشاط الاقتصادي ورفع القيمة المحلية.

وأكد المختصون أن الدقم يجب أن تُبنى كمنصة تصدير وانطلاق للمشاريع العُمانية، لا كسوق محلي فقط، مستفيدةً من موقعها البحري وموانئها العميقة والمشاريع الكبرى القائمة فيها؛ لتكون مُكمِّلةً لمناطق صناعية أخرى مثل صحار، وليست منافِسةً لها. وأشار المختصون إلى أن تطوير شبكة السكك الحديدية سيُعزِّز من كفاءة الربط الداخلي ودعم العمليات الصناعية واللوجستية، مستشهدين بتجارب مناطق اقتصادية إقليمية ناجحة أكدت أن قوة هذه المناطق تكمن في قدرتها التصديرية.

وفي تصريحات خاصة لـ"الرؤية"، قال الدكتور هلال الصواعي، الكاتب والخبير في المحتوى المحلي والابتكار والاستدامة، إنَّ تحويل القيمة المحلية المضافة من شرط شكلي أو متطلب تعاقدي إلى رافعة اقتصادية حقيقية، يبدأ من فهم طبيعة الطلب لا من احتساب نسب المحتوى، مؤكدًا أن المدخل الصحيح يتمثل في بناء "خريطة طلب" واضحة قبل الحديث عن أي التزامات أو مؤشرات. وأوضح أن تجميع مشتريات المشاريع المُرساة في الدقم، مثل مصفاة الدقم وميناء الدقم والحوض الجاف ومشروعات الصناعات والخدمات، ضمن سلة طلب مُوحَّدة بحسب فئات الصيانة وقطع الغيار والخدمات الهندسية والمواد الاستهلاكية والنقل وخدمات الميناء، يُحوِّل المشتريات المتفرقة إلى حجم سوق يمكن تصنيعه محليًا، بدل بقائها طلبات صغيرة لا تبرّر إنشاء مصانع أو تطوير موردين.

وأضاف الصواعي أن وجود مشاريع مرساة واضحة في الدقم يُسهِّل هذا النهج، ويجعل المحتوى المحلي أداةً لبناء صناعة، لا مجرد شرط تعاقدي مؤقتًا، مشددًا على أهمية استخدام سياسات مشتريات ذكية بدل الإلزام العام بنسب المحتوى. وبيّن أن هذه السياسات تقوم على تحليل فجوات الاستيراد لتحديد ما يُمكن توريده محليًا خلال فترة زمنية واقعية، وتطبيق توطين قائم على الفئات بحيث تُعطى الأولوية للفئات القابلة للتوطين السريع، مثل: الخدمات والتصنيع الخفيف والصيانة، مقابل فئات أخرى تتطلب استثمارات أكبر وشراكات ونقل معرفة، إلى جانب اعتماد عقود مُحفِّزة تمنح ميزات إضافية أو مددًا أطول أو حزم أعمال متكاملة للشركات التي تلتزم بخطط تطوير موردين محليين حقيقية، لا مجرد شراء محلي لمرة واحدة.

د.هلال الصواعي.jpg
 

بُعد لوجستي

وأشار الصواعي إلى أن المحتوى المحلي في الدقم يجب أن يُربط مباشرة بهدفها الجوهري كمنطقة لوجستية؛ حيث تُبنى لتقليل زمن وتكلفة سلاسل الإمداد وتحسين الخدمات للصناعات داخل المنطقة وخارجها، موضحًا أن هذا البُعد اللوجستي يمكن أن يكون محورًا اقتصاديًا رئيسيًا للمحتوى المحلي من خلال إنشاء مصانع وخدمات ترفع كفاءة التوريد وتخفض كلفة التشغيل. وفي هذا السياق، شدد الصواعي على أن التطبيق الجزئي لعناصر المحتوى المحلي ضروري لتجنّب رفع التكاليف أو تأخير المشاريع، معتبرًا أن القاعدة العملية هي التوطين؛ حيث يوجد تكرار في الطلب ومعيارية في المنتج وقابلية للتعلّم والنمو.

وأوضح الصواعي أن من المجالات المناسبة للتطبيق الجزئي السريع في الدقم: سلاسل توريد التشغيل والصيانة، مثل الفلاتر والزيوت والخراطيم والوصلات ومواد السلامة وخدمات المعايرة والرفع والرافعات، إلى جانب الخدمات اللوجستية المتخصصة مثل التخليص والتعبئة وإدارة المخزون والتتبع الرقمي والنقل متعدد الوسائط؛ بما يتسق مع توجهات الاستراتيجية اللوجستية. وأشار إلى أن التصنيع المتوسط المرتبط بالحوض الجاف والمصفاة، مثل أعمال الفولاذ والهياكل وورش التشغيل وتصنيع القطع غير الحرجة والخدمات الهندسية والتصميمية، كلها تمثل فرصة مهمة، مع ضرورة تطبيق التوطين تدريجيًا وبشروط أداء واضحة، لا بإلزام صارمٍ، خصوصًا في المُدخلات الحرجة التي قد يؤدي نقصها إلى توقف العمليات؛ حيث يكون الخيار الأنسب هو التوطين عبر الشراكات ونقل المعرفة ثم رفع النسب مع نضج المورد.

وفيما يتعلق بإبراز دور الموردين دون تقييد السوق، أوضح الصواعي أن إنشاء مركز كفاءة للموردين داخل أو قرب الدقم، يعمل كمدرسة تطبيقية مرتبطة بعقود حقيقية أثناء العمل، يُعد من أنجح الأدوات؛ حيث يركّز على التدريب في مجالات الجودة والسلامة والتوثيق وإدارة المخزون والالتزام الصناعي، مع مسارات اعتماد واضحة تجعل المورد جاهزًا للعمل مع المصفاة أو الميناء أو الحوض الجاف. وأكد أن هذا النهج لا يفرض موردًا بعينه، بل يرفع عدد الموردين المؤهلين، ما يعزز التنافس ويخفض الأسعار ويحسّن الأداء.

مدخلات الإنتاج

وحول توطين مدخلات الإنتاج، وخصوصًا المواد الخام، شدَّد الصواعي على أن مفهوم الخام في الدقم لا يقتصر على الموارد الجيولوجية؛ بل يشمل أيضًا الخام الصناعي واللوجستي، مثل المواد الوسيطة والعبوات الصناعية ومواد التغليف والشحن والغازات الصناعية والكيماويات المساعدة ومواد الحماية والتبطين والصيانة. وأضاف أن إنشاء مخازن استراتيجية ومراكز توزيع داخل المنطقة لمواد التشغيل وقطع الغيار سريعة الدوران يسهم في تقليل الاعتماد على الشحن العاجل ورفع الجاهزية التشغيلية. وأوضح أن برنامج "سلاسل إمداد الدقم" يجب أن يُبنى على ثلاث طبقات تشمل جاهزية الموردين عبر التدريب والاعتماد وتمويل رأس المال العامل، وجاهزية البنية اللوجستية من خلال مسارات واضحة وبوابة واحدة للمشتريات والشحن مدعومة بالتقنيات، إضافة إلى جاهزية التعامل مع المخاطر العالمية عبر تنويع مصادر التوريد وعقود الإطار ومؤشرات الإنذار المبكر.

وفيما يتعلق بالمؤشر الحقيقي لنجاح الدقم في تعظيم القيمة المحلية المضافة، أكد الصواعي أن الاعتماد على مؤشر واحد "أمرٌ مُضلِّلٌ"، وأن الأنسب هو تبنّي مؤشر مُركَّب، موضحًا أن نسب المحتوى المحلي مهمة، لكنها قد تُرفع بطرق قصيرة الأجل لا تبني صناعة حقيقية، كما إن عدد المصانع مؤشر مرئي، لكنه لا يضمن الاستدامة إذا غابت التنافسية أو العقود المستمرة. واعتبر أن نقل المعرفة وبناء القدرات هو العنصر الحاسم في خلق سلاسل توريد تعيش بعد انتهاء المشاريع، لأن استدامة الصناعة تقوم على الإنتاجية والجودة والمهارات والإدارة، لا على الموقع فقط.

وأوضح الصواعي أن مقياس نجاح الدقم في القيمة المحلية المضافة يجب أن يجمع بين استدامة الموردين، وتعقيد التصنيع، وأثر الإنتاجية، ويُقاس عمليًا من خلال نسبة الإنفاق المحلي في الفئات التشغيلية المتكررة، ومعدل بقاء الموردين والمصانع لعدة سنوات، وتحسُّن زمن التوريد وانخفاض تكلفة التوقف، والانتقال التدريجي نحو تصنيع أعلى قيمة، إلى جانب مؤشرات نقل المعرفة، وقدرة موردّي الدقم على التوسع والتصدير خارج المنطقة، باعتبار ذلك الدليل الأوضح على التنافسية الحقيقية.

أنظمة اقتصادية متكاملة

من جانبها، قالت الدكتورة رياء الحجرية الباحثة في علوم الاقتصاد، إن تحويل القيمة المحلية المضافة في مشاريع الدقم من إطار تقريري أو مؤشر يُدرج في التقارير إلى رافعة اقتصادية حقيقية، يتطلب الانتقال من مجرد قياس النسب إلى بناء أنظمة اقتصادية متكاملة. وأضافت- في تصريح لـ"الرؤية"- أن التجربة أثبتت أن ربط المحتوى المحلي بعقود المشاريع فقط، دون وجود خارطة صناعية مرافقة، يجعل الأثر محدودًا ومؤقتًا. وأكدت أن الدقم قادرة على تحقيق هذا التحوُّل، من خلال مواءمة مشاريع المحتوى المحلي مع سلاسل القيمة المرتبطة بطبيعة المنطقة، لا سيما في قطاعات الطاقة واللوجستيات والصناعات الثقيلة والخدمات البحرية، إلى جانب ربط الالتزامات التعاقدية بخطط استثمار صناعي طويل الأجل، بدل الاكتفاء بالتوريد المرحلي، وتحويل الطلب الحكومي والطلب الناتج عن المشاريع الكبرى إلى محفّز فعلي لإنشاء صناعات مغذية دائمة، عبر وضوح حجم الطلب واستدامته. وأكدت أن القيمة المحلية المضافة تصبح مؤثرة عندما تُدار كمنظومة اقتصادية متكاملة، لا كمتطلب تعاقدي منفصل.

وحول مدى إمكانية التطبيق الجزئي لعناصر المحتوى المحلي في المجالات التي تتماشى مع طبيعة المنطقة الاقتصادية الخاصة بالدقم، مثل سلاسل التوريد، أوضحت الحجرية أن الدقم تتمتع بطبيعة صناعية ولوجستية خاصة، ولا يمكن فرض جميع عناصر المحتوى المحلي بالدرجة نفسها على مختلف القطاعات. وأشارت إلى أنه ثبتت فاعلية التركيز على العناصر القابلة للنمو التدريجي، وفي مقدمتها تطوير المُورِّدين المحليين، والخدمات التشغيلية، وسلاسل الإمداد المساندة، إلى جانب إنشاء مراكز تدريب تخصصية مرتبطة مباشرة باحتياجات المشاريع الفعلية، لا ببرامج تدريب عامة. وأضافت أن رفع كفاءة المورد المحلي، بدل الاكتفاء بحمايته، هو النهج الأجدى، بحيث يصبح خيارًا تنافسيًا قائمًا على الجودة والكفاءة لا خيارًا إلزاميًا، مؤكدة أن هذا النهج لا يقيّد الكفاءة الاقتصادية، بل يسهم في رفعها تدريجيًا.

وفيما يتعلق بتوطين مدخلات الإنتاج، خصوصًا المواد الخام، شددت الحجرية على أن هذا التوجه في الدقم يجب أن يُبنى على الواقعية الاقتصادية، لا على مفهوم الاكتفاء الذاتي المُطلق. وبيّنت أن المطلوب يتمثل في تحديد المواد الخام والمدخلات التي تمتلك جدوى صناعية ولوجستية حقيقية للتوطين في الدقم، مع الاستفادة من الموقع الجغرافي للمنطقة كمركز ربط إقليمي، بحيث تكون بعض المدخلات مُصنَّعة محليًا، وأخرى مُعالَجة أو مُجمَّعة، ضمن منظومة تكامل إقليمي وعالمي. وأضافت أن تطوير برامج جاهزية سلاسل الإمداد يُعد عنصرًا أساسيًا لرفع كفاءة المنطقة، من خلال تحليل المخاطر، وتنويع مصادر التوريد، وتحسين كفاءة التخزين والنقل والخدمات اللوجستية، بما يجعل الدقم جزءًا فاعلًا من سلاسل الإمداد العالمية، لا منطقة معزولة عنها.

د.رياء الحجرية.jpeg
 

بناء القدرات الوطنية

وحول المؤشر الحقيقي لنجاح الدقم في تعظيم القيمة المحلية المضافة خلال السنوات المقبلة، أوضحت الحجرية أن النجاح لا يمكن قياسه برقم واحد، بل بمنظومة متكاملة من المؤشرات، إلا أن نقل المعرفة وبناء القدرات الوطنية يبقى المؤشر الأهم والأكثر استدامة. وأضافت أن نسب المحتوى المحلي وعدد المصانع تمثل مؤشرات مهمة، لكنها تظل نتائج مرحلية، في حين أن نقل المعرفة وبناء القدرات هو ما يضمن استدامة الصناعات، وقدرة المورد المحلي على المنافسة دون دعم، ومرونة الاقتصاد في مواجهة المتغيرات العالمية. وأكدت أن الدقم تحقق نجاحها الحقيقي عندما يصبح العنصر الوطني قادرًا على القيادة والتطوير والتوسع، لا الاكتفاء بدور التنفيذ فقط.

وقال عبدالرحمن العبري مدير القيمة المحلية المضافة في شركة الخدمات الفنية الخاصة، إن تحويل القيمة المحلية المضافة في مشاريع الدقم من التزام شكلي أو مجرد مؤشر في التقارير إلى رافعة اقتصادية حقيقية يتطلب ربطها بشكل مباشر ببناء قدرات إنتاجية محلية مدعومة بطلبٍ مضمون، إلى جانب التركيز على تطوير عناقيد صناعية منسجمة مع الأصول الاستراتيجية التي تتمتع بها الدقم، بدل الاعتماد على المشتريات المتفرقة.

وأوضح العبري أن ذلك يستدعي اعتماد القيمة المحلية المضافة كمعيار تأهيل فني حقيقي، مدعوم ببرامج فاعلة لتطوير المُورِّدين، وتمويل مُوجَّه لسلاسل التوريد، إضافة إلى حوكمة صارمة تمنع أي ممارسات تحايُل، مؤكدًا أن الانتقال من قياس نسب الإنفاق إلى قياس المخرجات الصناعية الفعلية يُسهم في بناء سلاسل توريد وطنية مستدامة تدعم التنويع الاقتصادي وتنسجم مع مستهدفات رؤية "عُمان 2040".

وحول مدى إمكانية التطبيق الجزئي لعناصر المحتوى المحلي في المجالات التي تتماشى مع طبيعة المنطقة الاقتصادية الخاصة بالدقم، مثل سلاسل التوريد، أشار العبري إلى أن هذه الإمكانية عالية وقابلة للتنفيذ إذا ما جرى تصميمها ضمن إطار مرن وتدريجي يوازن بين متطلبات التوطين والكفاءة الاقتصادية. وأضاف أن إبراز دور الموردين المحليين من خلال إنشاء مراكز تدريب تخصصية من شأنه رفع جاهزيتهم الفنية والإدارية وتحسين قدرتهم التنافسية، دون فرض قيود تنظيمية صارمة قد تحد من فعالية السوق. وأكد العبري أن نجاح هذا النهج يعتمد على ربط برامج التدريب بطلبٍ فعليٍّ من المشاريع الكبرى، واعتماد معايير تأهيل مرحلية بدل الإلزام الكامل، بما يسمح بتحقيق قيمة مضافة حقيقية دون الإضرار بجاذبية الاستثمار أو كفاءة التكلفة، لتتحول سياسات المحتوى المحلي إلى أداة تمكين اقتصادي مرنة تتكيف مع خصوصية الدقم، لا قيدًا تشغيليًا يحد من نموها.

عبدالرحمن العبري.jpeg
 

نهج انتقائي

وفيما يتعلق بتوطين مدخلات الإنتاج، خصوصًا المواد الخام، أوضح العبري أن ذلك يتطلب تبنّي نهج انتقائي يرتكز على مدى توافق هذه المواد مع طبيعة المشاريع الكبرى في المنطقة، مثل مشاريع التكرير والبتروكيماويات والطاقة والهيدروجين الأخضر، من خلال تحديد المواد القابلة للتوطين اقتصاديًا وفق حجم الطلب واستقرار سلاسل التوريد. وبيّن أن ربط التوطين بعقود شراء طويلة المدى يشكّل حافزًا حقيقيًا للاستثمار المحلي في أنشطة التحويل الأولي والتجهيز الصناعي بدل الاستيراد المباشر.

وأضاف أن تطوير برامج مُتقدِّمة لتعزيز سلاسل الإمداد يُعد عنصرًا حاسمًا لرفع جاهزية الدقم، عبر إنشاء منصات لوجستية ذكية، ومراكز تدريب تخصصية، وتطبيق معايير عالمية للجودة والمرونة، بما يعزز قدرة الموردين المحليين على التكيّف مع المتغيرات العالمية، ويضمن كفاءة واستدامة الإمداد دون الإخلال بجاذبية المنطقة الاستثمارية.

وحول المؤشر الحقيقي لنجاح الدقم في تعظيم القيمة المحلية المضافة خلال السنوات المقبلة، شدد العبري على أن نسب المحتوى المحلي أو عدد المصانع لا يمثل بالضرورة مؤشرًا حاسمًا؛ إذ قد يعكس امتثالًا شكليًا أكثر من كونه تحولًا اقتصاديًا مُستدامًا. وأكد أن نقل المعرفة وبناء القدرات الوطنية يُعدان المؤشر الأصدق، لما لهما من دور في ضمان استدامة الصناعات، وتعزيز مرونة سلاسل التوريد، ورفع الإنتاجية والتنافسية على المدى الطويل.

تعليق عبر الفيس بوك

الأكثر قراءة

z