العام الجديد ومخاض التحول إلى الاقتصاد الإنتاجي

 

 

 

عبدالنبي الشعلة

 

دخلنا قبل أيام قليلة العام الجديد وسط مشهد اقتصادي عالمي مضطرب، مرشح لمزيد من التقلبات والتحديات، نتيجة صراعات جيوسياسية مفتوحة، وتغيرات عميقة في أنماط الإنتاج والتجارة والطاقة.

في منطقتنا الخليجية عمومًا، وفي البحرين على وجه الخصوص، نواصل عبور مرحلة انتقال تاريخية من الاقتصاد الريعي إلى الاقتصاد الإنتاجي؛ من الاعتماد على مورد واحد إلى تنويع حقيقي لمصادر الدخل، يعتمد على الصناعة والخدمات النوعية والاقتصاد المعرفي.

هذا الانتقال لا يتم بلا كلفة، ولا بدون نقاش عام، ولا بلا قلق مفهوم لدى المواطنين. وهو لا يحدث بقرار واحد ولا بخط مستقيم، بل عبر مسار طويل تتخلله مراجعات وتعديلات وتصحيحات. فالإصلاح الاقتصادي ليس حدثًا عابرًا، بل عملية مستمرة تعاد فيها صياغة علاقة الدولة بالاقتصاد والمجتمع.

لقد تأسس العقد الاجتماعي في دول الخليج العربية طوال عقود على الرعاية والدعم ودور الدولة المركزي في إعادة توزيع الثروة. واليوم تمسّ الإصلاحات المطلوبة هذا القلب مباشرة. ومن ثم يصبح السؤال الواقعي ليس: هل نُصلح أم لا؟ بل: كيف نُصلح دون أن نكسر التوازن الاجتماعي، ودون أن يشعر المواطن بأنَّ الدولة تبتعد عنه بدل أن تسانده؟

هنا تبرز العدالة الاجتماعية؛ باعتبارها الشرط الأول لشرعية الإصلاح واستمراره. فالتحول الاقتصادي لا ينجح إذا ترسخت القناعة بأنه يتم على حساب الفئات الأضعف، أو أنه يجري لصالح قلة محدودة على حساب الأغلبية. لذلك فإن المعيار ليس فقط حجم الإصلاحات أو سرعتها، بل مدى إحساس الناس بإنصافها.

لقد كان الدعم الشامل للسلع والخدمات إحدى أبرز سمات التجربة الخليجية في العقود الماضية وأسهم في تعزيز الاستقرار الاجتماعي. لكنه في زمن التحول بات مكلفًا وغير عادل؛ لأنه يصل إلى مستحق وغير مستحق على السواء، ويستنزف المال العام دون تمييز بين القادر وغير القادر.

وتؤكد التجارب العالمية أنه لا يوجد إصلاح اقتصادي عميق بلا كلفة اجتماعية؛ حيث إن الإصلاحات تشمل في جوهرها إعادة هيكلة الدعم، وإعادة تسعير بعض الخدمات، وإدخال أو توسيع الضرائب والرسوم، وضبط الإنفاق العام، وإعادة تنظيم سوق العمل. وهذه الإجراءات، على ضرورتها، تترك آثارًا مباشرة على مستويات المعيشة، خصوصًا على الطبقة المتوسطة ومحدودي الدخل. وهنا مكمن التحدي الحقيقي: فالمشكلة ليست في الإقرار بضرورة الإصلاح، بل في كيفية توزيع كلفته ومن يتحمل النصيب الأكبر منها.

المطلوب اليوم هو الانتقال من الدعم العام إلى الدعم الموجّه: دعم يصل مباشرة إلى من يحتاجه، ويعتمد على بيانات دقيقة لا على الافتراضات، ويرتبط بالحاجة وليس بالاستهلاك، ويحمي الفئات الهشة دون تشويه الأسعار أو تعطيل الاقتصاد. وفي قلب هذا التوجه تبرز أهمية الالتزام بقيم الشفافية ومحاربة الفساد، وتأتي حماية الطبقة المتوسطة بوصفها الحلقة الحساسة في أي إصلاح اقتصادي؛ فهي تشكل العمود الفقري للاستقرار الاجتماعي والسياسي. وأي إصلاح يُضعف هذه الطبقة أو يضغطها بشدة يعرّض المسار برمته للخطر.

من جانب آخر فإن عملية التحول تتطلب وضع القطاع الخاص في موقع جديد: من متلقٍّ للنمو إلى صانعه، ومن تابع للإنفاق العام إلى قائد لعملية الإنتاج وللقيمة المضافة.

بهذا المعنى تتحول شبكات الأمان الاجتماعي من عبء على الميزانية إلى أداة استقرار تحمي المجتمع أثناء العبور من الريع إلى الإنتاج، وتخفف من حدة الصدمة، وتعيد بناء الثقة بين المواطن والسياسات الاقتصادية.

وعلى هذا الأساس لا يصح إنكار وجود كلفة للإصلاح، بل الأجدر الاعتراف بها وإدارتها بعدالة وشفافية، وتوزيعها بشكل منصف يأخذ في الاعتبار حماية الفئات الأكثر تأثرًا وعدم ترك أحد خلف الركب.

في هذا السياق، جاءت قرارات مجلس الوزراء في مملكة البحرين التي اتُّخذت قبيل بداية هذا العام، وأعلن عنها صاحب السمو الملكي ولي العهد رئيس مجلس الوزراء، خلال لقائه السلطة التشريعية، والتي نصّت على: عدم تغيير تعرفة الشريحتين الأولى والثانية للكهرباء والماء للمواطنين في المسكن الأول، وإرجاء تطوير آليات دعم الكهرباء والماء للمزيد من الدراسة، واعتماد عدد من المبادرات الهادفة إلى ضمان استمرارية الدعم وتمويله. وهذه القرارات تشير بوضوح إلى أن الدعم باقٍ، لكن آلياته قيد التطوير بما يحفظ العدالة والاستدامة معًا.

هذه الخطوات لا تُقرأ بوصفها تراجعًا عن القرارات الإصلاحية السابقة، بل باعتبارها مرونة واعية في إدارة التحول الاقتصادي، وإصغاء لنبض المجتمع، وإدراكًا للضغوط المعيشية الواقعية، ومراجعة متوازنة للإجراءات حين تتطلب العدالة ذلك. فالإصلاح الحقيقي ليس عنادًا مع الأرقام الاجتماعية، بل قدرة على الموازنة بين متطلبات المالية العامة وضرورات الاستقرار المجتمعي، مع وضع الإنسان في محور التنمية لا مجرد رقم في المعادلات الاقتصادية.

إن رسالة المرحلة يمكن تلخيصها في نقطتين أساسيتين: الأولى أن الإصلاح خيار استراتيجي لا رجعة عنه، والثانية أن إدارته تتم بمرونة تراعي الناس وحياتهم اليومية، وتستجيب لملاحظاتهم وتخفف أثاره الجانبية.

وهنا علينا أن نتفهم قلق المتخوفين وتذمر المتضررين، وأن نستمع للرأي الآخر، وأن نشجع النقد البنّاء؛ فالمواطن، بطبيعته، ينظر أولًا إلى “طاولة الطعام” قبل أن ينظر إلى المؤشرات والنسب والمعادلات الاقتصادية، وهذه حقيقة موضوعية يجب الاعتراف بها لا مجادلتها.

في النهاية.. نحن أمام مخاض حقيقي للانتقال من الريع إلى الإنتاج؛ مخاض فيه ألم وأسئلة ومراجعات، لكنه يحمل أيضًا فرصًا كبيرة لدولة أكثر استدامة، واقتصاد أقوى، ومجتمع أكثر تماسكًا. والمرونة التي عبّرت عنها القرارات الأخيرة ليست نقيض الإصلاح؛ بل دليل نضج في إدارة الإصلاح. فالإصلاح الذي يحمي الإنسان هو وحده القابل للحياة والاستمرار.

الأكثر قراءة

z