الأحد, 23 سبتمبر 2018

مقال : الترجمة.. متعة فكريَّة

الأحد 13 نوفمبر 2016 10:25 م بتوقيت مسقط

 

 

د. آسية البوعلي

خلال عددٍ غير قليلٍ من كُتب ومَقَالات قرأتها مُترجمة إلى العربية، لاسيما في مجال الأدب، كانت هناك إشكالية تُقابلني؛ وهي: عدم تذوُّقي للغة وجمال بعض النصوص المترجمة. كأن يأتي في الفقرة الواحدة التي تحتل مساحة نصف الصفحة مثلاً، تكرار للفعل "كان" على نحو يبدو مُملاً. ورغم وضوح المعنى والفكرة في النص المترجم، بمعنى أنَّ الترجمة لم تكن نقلاً حرفيًّا للكلمات بل هي لمعناها، فإنني كنت أتساءل دومًا في هكذا مواضع: ألم تكن هناك صياغة أفضل لهذه الفقرة؟ ولأنني لست مُحترفة في فن الترجمة، وبعض النصوص التي قرأتها والمترجمة عن الإنجليزية تعذَّر عليَّ الحصول على أصولها بالإنجليزية، وأعلم جيدًا قيمة المجهود المبذول في ترجمة أي نص أدبي، لجملة هذه الأسباب ابتعدت تمامًا عن دور المُقيم للنص المُتَرجم.

ومع وجود هاجس عدم التذوق بداخلي لبعض النصوص المترجمة، جعلني أخاف وأتردد أكثر من مرة من الخوض في تجربة الترجمة. وأنا في هذا كله أضع قارئي نصب عيني حين قراءته لنص قمتُ بترجمته. أمضيتُ أكثر من شهر وأنا لا شغلة لي سوى القراءة الواعية لكتب تتناول فن الترجمة، فضلاً عن معاجم الإرشاد والاصطلاحات، وبعض الدراسات عن الترجمة عبر شبكة الإنترنت.

تجاوزتُ حاجزَ القلق، وخُضت التجربة للمرة الأولى؛ حيث ترجمتُ مائة صفحة من اللغة الإنجليزية إلى العربية لرواية قصيرة، أو قصة طويلة، بصرف النظر عن المسمى الأدبي، فإني لا أريد الإفصاح عن عنوان الكتاب حتى وقت نشره.

المفاجأة كانت أنني حين أعدتُ قراءة ما ترجمته لم أكن راضية بالنص المكتوب، كنت أعرف أنَّ الترجمة ليست رديئة بعد كل اجتهادي فيها، وبعد عرضي النص لزميلاتي في العمل من المتخصصات في الترجمة واقتناعهن به، لكنَّ شعورًا ما كان يراودني بأنَّ هناك شيئًا ما ينقص هذه الترجمة.

الخلاصة أنني لم أكن مقتنعة. ولأنَّ النص الأصلي للكتاب الذي قُمت بترجمته كان مكتوبًا باللغة السواحلية، وهي لغة رغم إجادتي لها تحدُّثًا، إلا أنه لم يسبق لي وأن تعاملت معها ثقافيًّا ولا فكريًّا؛ أي على مستوى القراءة والكتابة؛ لذا خشيت الاقتراب من النص الأصلي، واعتمدت على الترجمة الإنجليزية للنص الأصلي، إلا أنَّ عدم قناعتي بما ترجمته دفعني نحو قراءة النص الأصلي، رغم المعاناة في بُطء القراءة التي لم أتجاوزها إلا بمساعدة بعض زميلاتي في العمل؛ لذا أتوجه إليهن جميعاً بالشكر.

ومع المقارنة بين الترجمة الإنجليزية والنص الأصلي، اكتشفتُ أنَّ ترجمتي للترجمة الإنجليزية، لم تكن سوى ترجمة لنص قائم بذاته، علاقته في كثير من المواضع لم تكن وطيدة بالنص الأصلي.

وعليه، ألقيتُ جانبًا بما ترجمته، وقرَّرت أن أعيد الترجمة من النص الأصلي ورغم المعاناة التي عشتها، وما زلت مع المراجعات الأخيرة، ورغم الوقت المضاعف، فإنَّ الترجمة في هذه المرة كانت لها متعة فكرية لاكتشافي أنَّ معرفتي باللغة العربية ومعرفتي بثقافة وبتراث الهوية العُمانية من جانب، وبثقافة وبتراث نفس الهوية ذات الصلة بالمهجر العُماني الإفريقي من جانب آخر، أضاف الكثير إلى فهمي للنص السواحيلي،  كما أنَّ العلاقة بين بعض المفردات في اللغة العربية وأخرى في اللغة السواحلية -ولا أقصد هنا المفردة من حيث النطق صوتًا فحسب، بل من حيث استخدامها الدلالي في السياق- كل هذا شكَّل لديَّ عاملاً مساعدًا لاستيعاب روح النص السواحلي.