التاريخ بوصلة المستقبل

 

 

 

 

د. سليمان بن عمير المحذوري

[email protected]

 

عل مدار 3 أيام احتضنت مدينة الرستاق ندوة محافظة جنوب الباطنة في ذاكرة التاريخ العُماني خلال الفترة 26 إلى 28 أكتوبر 2026، أُقيمت هذه الندوة بتنظيم من هيئة الوثائق والمحفوظات الوطنية بالتعاون مع مكتب محافظ جنوب الباطنة إيمانًا من الهيئة بأهمية حفظ الذاكرة الوطنية، وتتبع تاريخ وحضارة سلطنة عُمان عبر الحقب الزمنية المتعاقبة من خلال الدراسات الميدانية والمصادر المتنوعة والوثائق والمخطوطات.

ولا شكّ أنّ لمثل هذه الملتقيات أهمية في تسليط الضوء على مكنونات هذه المحافظة العريقة بولاياتها الست الرستاق والعوابي وبركاء والمصنعة ونخل ووادي المعاول. ومن خلال 26 ورقة بحثية استعرضت في الندوة تمت دراسة الأبعاد الاقتصادية والسياحية والثقافية والفكرية بالمحافظة، ودور أبنائها في مسيرة الحضارة العُمانية والإنسانية. غطت هذه الدراسات البحثية جوانب عديدة إلا أنّه من الصعوبة مناقشة كافة الموضوعات في هذا المقال؛ لذا سأركز الحديث حول بعض منها في محاولة مني للوصول إلى نتائج ذات صلة بالجوانب الاستثمارية المستقبلية لمحافظة جنوب الباطنة.

وفي هذا الإطار تُعد الرسوم والكتابات الصخرية من المصادر التأريخية المهمة خاصة في ظل غياب الوثاق والمصادر الأخرى. وقد كشفت بعض الأوراق عن وجود رسوم وكتابات في مناطق مختلفة مثل وادي الحيملي، ووادي السحتن، ووادي بني خروص؛ الأمر الذي يشي بضرورة توثيقها وصونها ودراستها من قبل المختصين بعلم الآثار، ومن ثم اعداد استراتيجية برؤية حديثة لإدارة واستثمار مواقع الفن الصخري في محافظة جنوب الباطنة.

ومن الجوانب الملفتة كذلك وجود الجوامع التراثية، ولعل أبرزها جامع العلاية الذي يعود تاريخيه الى نحو 400 عام مضت كان مركزًا حضاريًا تنويريًا في ولاية الرستاق، وكذلك جامع البياضة الذي كان مدرسة لها أثر بارز في الحركة العلمية منذ العقد الثامن من القرن التاسع عشر. ولا ريب أن لمثل هذه الجوامع قيمة علمية عالية لمكان وجودها لذا من الواجب ترميمها أو إعادة ترميمها بما يحفظ قيمتها التاريخية، وبالتالي إضافة بعدًا ثقافيًا وسياحيًا مهمًا للمحافظة.

وتمثل الحارات التاريخية أيضًا مكونًا رئيسًا في التراث العمراني والثقافي العُماني، وبالنظر إلى بعض الأمثلة من هذه الحارات القديمة في جنوب الباطنة تبرز حارتي بيت القرن وقصرى بالرستاق اللتان يمكن إعادة تأهيل عناصرهما العمرانية، والمحافظة على طابعهما التاريخي من أجل المساهمة في تنشيط السياحة التراثية. وفي ذات السياق هنالك مواقع وشخصيات عُمانية في محافظة الباطنة مدرجة ضمن قوائم المنظمات الدولية والإقليمية مما يعزز حضورها العالمي كتراث إنساني. هذه المواقع هي حصن الحزم، وقلعة الرستاق، وفلج الميسر، وأما الشخصيات فهي الخليل بن أحمد الفراهيدي، ونور الدين السالمي، والطبيب راشد بن عميرة؛ ومن ثم هذا الحضور العالمي ينبغي استثماره برؤية بعيدة المدى تُعزز مفاهيم التنمية المستدامة.

إجمالًا.. أستطيع القول إنَّه من الأهمية بمكان البناء على مخرجات هذه الندوة بما يتماشى مع الخطط التنموية لكل ولاية وفقًا لميزتها النسبية، كما أن نبش التاريخ يُمكن استثماره في ترسيخ أبعاد الهوية الوطنية، وتوظيفه في دعم وتعزيز السياحة المحلية الثقافية والتراثية برؤية عصرية جاذبة.

الأكثر قراءة

z