◄ المعولي: محافظة جنوب الباطنة تتمتع بإرث تاريخي عريق
◄ الهاشمي: الندوة تسهم في إبراز الدور التاريخي للمحافظة
◄ الضوياني: نحرص على استغلال الوثائق لحفظ تاريخ الدولة والمجتمعات وضمان حقوقهم
جنوب الباطنة.. حاضرة عُمانية قامت على أرضها حضارة امتدت لقرون طويلة
◄ تناول جزءا من حياة أعلام المحافظة في المهجر الأفريقي
◄ مناقشة تقنيات التحصين ودور الأبراج الدفاعية في ولاية نخل
◄ تسليط الضوء على المنظومة الإنتاجية في عهد اليعاربة
◄ تقديم قراءة تحليلية لما كتبه الرحّالة عن المحافظة
◄ تأكيد أهمية ترسيخ الوعي المجتمعي بأهمية الوثائق والمحفوظات في صون الهوية الوطنية
الرستاق- مدرين المكتومية
انطلقت، الإثنين بولاية الرستاق، أعمال ندوة "محافظة جنوب الباطنة في ذاكرة التاريخ العُماني"، التي نظمتها هيئة الوثائق والمحفوظات الوطنية بالتنسيق مع محافظة جنوب الباطنة ولمدة 3 أيام، تحت رعاية معالي خالد بن هلال المعولي رئيس مجلس الشورى، وبحضور عدد من أصحاب المعالي والسعادة والمكرمين أعضاء مجلس الدولة، والشيوخ والأعيان، ونخبة من الأكاديميين والباحثين والمتخصصين والمهتمين بالتاريخ والتراث العُماني. وتأتي الندوة في إطار جهود هيئة الوثائق والمحفوظات الوطنية الرامية إلى توثيق التاريخ العُماني وصون الذاكرة الوطنية، وإبراز المكانة التاريخية والحضارية لمحافظة جنوب الباطنة، وما شهدته عبر العصور من أحداث وتحولات سياسية واقتصادية واجتماعية وثقافية أسهمت في تشكيل ملامح الحضارة العُمانية وتعزيز امتدادها الإقليمي والدولي.
وقال معالي خالد بن هلال المعولي رئيس مجلس الشورى، إن محافظة جنوب الباطنة تتمتع بإرث تاريخي عريق، مشيرا إلى أن هيئة الوثائق والمحفوظات حققت العديد من الإنجازات خلال السنوات الماضية للحفاظ على الذاكرة العمانية.
وأضاف: "أسأل الله النجاح لهذه الندوة التي تمتد لثلاثة أيام تتضمن مناقشات وأبحاثا حول ذاكرة التاريخ العماني".
من جهته، أوضح سعادة المهندس مسعود بن سعيد الهاشمي محافظ جنوب الباطنة، أن مثل هذه الندوات تقوم بدور بارز في التعريف بالدور التاريخي للمحافظة وأهم الحضارات التي شهدتها، إلى جانب تعريف الأجيال الجديدة بالتاريخ الذي تزخر به المحافظة.
ولفت إلى أنَّ محافظة جنوب الباطنة تتميز بإرث حضاري كبير، وأنَّ المحافظة تعمل على تطوير المرافق التاريخية والتراثية لإبراز الجانب الحضاري والعلمي.
وبدأت الندوة بعرض مرئي تناول دور هيئة الوثائق والمحفوظات الوطنية في توثيق التاريخ العماني وحفظ الذاكرة الوطنية، وجهودها في جمع الوثائق والمحفوظات التاريخية وتنظيمها بما يسهم في صون الإرث الحضاري للسلطنة، إلى جانب تسليط الضوء على المعارض التي تنظمها الهيئة في كافة المناسبات محليا وعالميا للتعريف بالموروث التاريخي والثقافي العماني، وكذلك استعراض النماذج والمبادرات والأنشطة التي تنفذها الهيئة لتعزيز الوعي بأهمية الوثائق والمصادر التاريخية.
وفي كلمته، أوضح سعادة الدكتور حمد بن محمد الضوياني رئيس هيئة الوثائق والمحفوظات الوطنية، أن الندوة تمثل مجالًا مهمًّا لالتقاء الباحثين والمهتمين بالبحث العلمي الذي تعمل الهيئة على تعزيزه وتحقيق أهدافه، لافتا إلى أنَّ الهيئة تعمل على توسيع مسارات عملها ودعم التقنيات الحديثة في سبيل نشر الوثائق واستغلالها الاستغلال الأمثل في حفظ تاريخ إنجازات الدولة والمجتمعات وضمان حقوقهم.
وأضاف: "للسجلات والوثائق بشتى أنواعها أهمية قد تؤثر على المسار السياسي وقراراته والمحاسبة والنزاعات بين المتعارضين السياسيين وغيرهم، فضلًا عما تشكله من مرجعية في مجالات التنمية الاقتصادية والاجتماعية ومجال التخطيط الحضري ووضع سياسات تطوير البنية التحتية للتنمية العمرانية والمجالات الثقافية والتعليمية، مما يسهم كل ذلك وينصب في خدمة وتطوير المجتمع والوطن العزيز".
وأكد الضوياني: "لقد أظهرت لنا الوثائق وتاريخ عمان التليد بأنها عبر تاريخها العريق أسهمت في بناء فكر وثقافة وحضارة، وقدمت أروع الأمثلة في التسامح والاحترام، وفتحت مجالًا واسعًا من العلاقات مع دول العالم وفق مبادئ راسخة ثابتة قائمة على السلام والوئام وحسن التعامل ونشر الطمأنينة والأمان، فتحقق لعُمان ما تطمح إليه من إرساء علاقات تجارية وسياسية وثقافية واسعة امتدت شرقًا وغربًا في عمق الأراضي الآسيوية والأفريقية والأوروبية وأمريكا، وكشفت لنا الوثائق والشواهد التاريخية ما حققه الإنسان العماني على مدار الحقب التاريخية المختلفة، فأولت الهيئة في توثيقه ورصده واستغلاله في الدراسات والبحوث العلمية إدراكًا بأهمية الأهداف المرجوة والغايات المنشودة التي تركز على إبراز دورنا الحضاري والفكري وعلاقاتنا الدولية ودور المجتمع العماني وإسهاماته في بناء التنمية المستدامة المتكاملة، لتشكل تلك الإنجازات العمانية تاريخًا تليدًا تحكي شواهده قصة تاريخ حافل بالبطولات والإنجازات التي امتدت إلى الأجيال الحاضرة وتستمر بعون الله إلى المستقبل".
وتابع قائلاً: "نتشرف أن تعقد هذه الندوة في محافظة جنوب الباطنة للوقوف على دورها الحضاري والتاريخي، إنها حاضرة عمانية قامت على أرضها الطيبة حضارة تمتد لقرون عديدة، وأضحت محورًا مهمًّا من محاور الأحداث العمانية، وشكلت اهتمامًا في ثنايا التاريخ العماني دون انقطاع، لنجد في كل بقعة من ولاياتها معالم تاريخية، هنا تقف حصونها وقلاعها الممتدة شاهدة على صمودها في وجه الغزاة والدفاع عن الوطن، وأسهم أبناؤها في عمارة الأرض واستصلاحها، وشقوا لها الأفلاج والعيون والقنوات المائية بمختلف أنواعها، وأصبحت جنوب الباطنة الممتدة بموقعها الجغرافي بين الساحل وسفوح الجبال شامخة بمنجزات الإنسان العماني من خلال تطويع البيئة الصعبة في تضاريسها وصخورها للاستقرار البشري، ونشأت فيها حضارة إنسانية شاهدة على الدور التاريخي والعلمي والفكري والتجاري لمحافظة جنوب الباطنة، وندوة اليوم تمتد لمدة ثلاثة أيام ستتناول ما يزيد عن سبعة وعشرين ورقة عمل يقدمها نخبة مميزة طيبة من الأساتذة والباحثين، وستكون بحوثهم محط اهتمام لإصدارها ورفد المكتبات المحلية والعالمية".
وشهد اليوم الأول عرض فيلم قصير يتحدث عن جنوب الباطنة بكل تفاصيلها التاريخية، مسلطاً الضوء على مكانتها الحضارية ودورها في مسيرة التاريخ العماني عبر العصور، وما تزخر به من شواهد تاريخية وأثرية وما شهدته من تفاعل حضاري أسهم في تشكيل هويتها الثقافية.
كما عقدت الجلسة الأولى برئاسة الدكتورة شيخة بنت عبدالله المنذرية، وشهدت تقديم 6 أوراق عمل تناولت الجغرافيا التاريخية لمحافظة جنوب الباطنة، والتحصينات الدفاعية، والحضور العُماني في شرق أفريقيا، والمنظومة الإنتاجية في عهد اليعاربة، وصورة المحافظة في كتابات الرحالة.
واستهلت الجلسة بورقة علمية قدمها الدكتور موسى بن سالم الراشدي بعنوان "بلدان جنوب الباطنة وبنادرها كما صورها مخطوط صفة عُمان وبلدانها جبالها وأوديتها"، والورقة الثانية للدكتورة بهية بنت سعيد العدوية بعنوان "التحصينات في جنوب الباطنة كأداة لترسيخ سلطة الدولة"، والورقة الثالثة للدكتور سليمان بن سعيد الكيومي بعنوان "أعلام من محافظة جنوب الباطنة في المهجر الأفريقي ودورهم الاجتماعي والثقافي والسياسي".
وقدم الدكتور علي بن سعيد الريامي والدكتور ناصر بن حمد الغناني ورقة مشتركة بعنوان "الأبراج الدفاعية في مركز ولاية نخل: دراسة تاريخية في الدور والموقع وتقنيات التحصين"، حيث تناولت الدراسة توثيق الأبراج الدفاعية في ولاية نخل بوصفها عنصًرًا محورًيًا ضمن منظومة التحصين التقليدية فيُ عُمان، من خلال تحليل أدوارها العسكرية والأمنية، واستقصاء علاقتها بالموقع الجغرافي، وبيان تقنيات البناء والتحصين المرتبطة بها، إذ تظهر المعطيات أن هذه الأبراجُ شُيدت خلال فترات تاريخية متعاقبة، أعيد بناء بعضها في حقب لاحقة، فيما خضعت مجموعة منها لأعمال ترميمُ حديثة من قبل وزارة التراث والسياحة، في حين تعّرّض بعضها الآخر للتدهور بدرجات متفاوتة، تكمن أهمية الدراسة في إسهامها في حفظ الذاكرة العمرانية للولاية بوصفها جزًء من التراث المادي، إلى جانب توثيق الروايات الشفوية المرتبطة بهذه الأبراج وما تحمله من دلالات ثقافية واجتماعية، بما يعزز الربط بين البعدين المادي وغير المادي للتراث. كما تسعى الدراسة إلى توفير قاعدة بيانات علمية يمكن الإفادة منها في الدراسات التاريخية والمعمارية، وفي دعم جهود صون التراث الثقافي والتخطيط للتوظيف السياحي المستدام تتمثل المشكلة البحثية في محدودية التوثيق المنهجي للأبراج الدفاعية في ولاية نخل، وتشتت المعلومات المتعلقة بوظائفها وتطورها الزمني، فضلًا عن الحاجة إلى تحليل أثر العوامل الجغرافية كالجبال والأودية ومسارات الحركة في اختيار مواقعها وتشكيل خصائصها الدفاعية، حيث تهدف الدراسة إلى إعداد توثيق علمي تحليلي يبرز العلاقة بين الدور والموقع وتقنيات التحصين.
وشهدت الجلسة تقديم ورقة للدكتور أحمد بن حميد التوبي بعنوان "المنظومة الإنتاجية في جنوب الباطنة في عهد اليعاربة (1624–1744م): دراسة في الموارد والوسائل"، تناولت مقومات النشاط الاقتصادي في المحافظة خلال عهد دولة اليعاربة، وما شهدته من تنوع في الموارد الزراعية والصناعية والتجارية ووسائل الإنتاج، واستعرضت الدراسة الأهمية الاقتصادية لولايات الرستاق وبركاء والمصنعة وغيرها من ولايات المحافظة، ودور الأفلاج والموارد الزراعية والموانئ في تنشيط الحركة الاقتصادية، مستندة إلى عدد من المصادر التاريخية والأدبية، ومنها كتاب "منهج الطالبين وبلاغ الراغبين" للشيخ خميس بن سعيد الشقصي، وبعض النصوص الشعرية التي حفظت إشارات إلى الحياة الاقتصادية والاجتماعية خلال تلك المرحلة.
واختُتمت أوراق الجلسة الأولى بورقة قدمتها الدكتورة مريم بنت حميد الغافرية بعنوان "محافظة جنوب الباطنة في كتابات الرحالة: قراءة تحليلية في تمثلات المكان في الذاكرة التاريخية العُمانية"، تناولت صورة المحافظة كما وردت في مدونات الرحالة العرب والغربيين، وما تضمنته من أوصاف للمدن والقرى والبيئات الساحلية والزراعية والجبلية. وسلطت الورقة الضوء على أهمية أدب الرحلات بوصفه مصدرًا تاريخيًا ومعرفيًا يوثق جوانب من الحياة الاجتماعية والاقتصادية والعمرانية، ويكشف عن طبيعة التفاعل بين الإنسان والمكان، إلى جانب تحليل الصور والانطباعات التي نقلها الرحالة عن المحافظة، ومدى إسهامها في تشكيل الذاكرة التاريخية العُمانية وإبراز التنوع الحضاري والثقافي للمنطقة.
وشهدت الجلسة مناقشات علمية تناولت الموضوعات المطروحة في أوراق العمل، وأهمية توسيع الدراسات التاريخية والوثائقية المتعلقة بمحافظة جنوب الباطنة، والاستفادة من المصادر المحلية والدولية في الكشف عن جوانب جديدة من تاريخها الحضاري والثقافي.
وتواصل الندوة أعمالها خلال اليومين المقبلين بمناقشة أوراق علمية تتناول طرق القوافل والتجارة والموانئ والأفلاج والأوقاف، والمواقع الأثرية والنقوش والكتابات الصخرية، والمؤسسات العلمية والتعليمية، والنتاج الأدبي واللغوي، إلى جانب دور الوثائق والمخطوطات والصحافة في توثيق تاريخ المحافظة، وإسهامات المرأة العُمانية في مختلف مجالات الحياة. وتسعى هيئة الوثائق والمحفوظات الوطنية، من خلال تنظيم الندوة والمعرض الوثائقي المصاحب لها، إلى تعزيز البحث العلمي في التاريخ العُماني، وإتاحة مصادر المعرفة التاريخية للباحثين والمهتمين، وترسيخ الوعي المجتمعي بأهمية الوثائق والمحفوظات في صون الهوية الوطنية، وإبراز محافظة جنوب الباطنة بوصفها إحدى الحواضر التاريخية التي أسهمت في تشكيل الذاكرة الحضارية لسلطنة عُمان.
وتهدف الندوة إلى تتبع التاريخ العُماني والحضارة العُمانية عبر مختلف العصور التاريخية، وتسليط الضوء على تاريخ وحضارة محافظة جنوب الباطنة، ودراسة الأبعاد الاقتصادية والسياسية والسياحية للموقع الجغرافي والاستراتيجي لمحافظة جنوب الباطنة، إلى جانب إبراز دور أبناء وأهالي محافظة جنوب الباطنة في مسيرة الحضارة العُمانية والإنسانية، والكشف عن الآثار والشواهد التاريخية في محافظة جنوب الباطنة في مختلف الحقب التاريخية، واستعراض جوانب من الحياة العلمية والثقافية والأدبية في محافظة جنوب الباطنة، والعمل على إبراز أهمية الوثائق والمخطوطات في الكشف عن الجوانب المختلفة لتاريخ محافظة جنوب الباطنة، وإبراز أهمية الرواية الشفوية في حفظ الذاكرة الوطنية.
وتقام الندوة تحت 4 محاور رئيسية، الأول "المحور التاريخي والسياسي" والذي يتناول الموقع الجغرافي وأهميته التاريخية والجيوستراتيجية، والأحداث السياسية خلال الحقب التاريخية المختلفة، إلى جانب التواصل الحضاري مع مختلف الحضارات، أما المحور الثاني فهو "المحور الاقتصادي" حيث يتطرق للأنشطة الاقتصادية والزراعية والصناعية والثروات الطبيعية، إلى جانب التجارة ودورها في تعزيز التقارب والتواصل مع الحضارات والشعوب، كما يتناول المحور أيضا الطرق والقوافل والرحلات التجارية البرية والبحرية، والملاحة البحرية وصناعة السفن، إلى جانب الموانئ والأسواق والحارات القديمة من حيث (تخطيطها، نظامها، السلع والبضائع، الحرف، الصناعات) ودورها في حركة الأنشطة التجارية والاقتصادية، إلى جانب الأفلاج والعيون والقنوات المائية وعلاقتها بالجوانب الاقتصادية والاجتماعية، والمقومات السياحية في المحافظة وأثرها على الاقتصاد.
ويركز المحور الثالث على الجانب الاجتماعي والسكان ونمط الحياة الاجتماعية في (الجبل والسهل والساحل)، والأحوال البيئية والمناخية كالجفاف والأمطار والأعاصير وأثرها على المجتمع، إلى جانب العادات والتقاليد (اللباس، المأكولات، الفنون الشعبية، المناسبات والاحتفالات)، بالإضافة إلى المرأة وإسهاماتها في الجوانب الاقتصادية والاجتماعية والسياسية والثقافية، والوقف ودوره في المجتمع.
أما المحور الأخير فهو المحور الثقافي والعلمي، والذي يتناول المؤسسات التعليمية (الكتاتيب، المساجد، المجالس العلمية) ونظام التعليم فيها، إلى جانب النتاج العلمي لأبرز العلماء والأدباء والمفكرين، والآداب والفنون (اللغات واللهجات، الشعر، الفنون، الحكايات الشعبية)، وكذلك التحصينات الدفاعية (القلاع، الحصون، الأبراج) والعمارة التقليدية، والمواقع الأثرية (المدافن، الشواهد، اللقى، والمقتنيات، الكتابات الصخرية)، واستدامة التراث والاستثمار في المواقع التاريخية، وكتابات الرحالة والمستكشفين عن محافظة جنوب الباطنة في الصحافة العربية والعالمية، وأهمية الوثائق والمحفوظات ودورها في مجال كتابة وحفظ الذاكرة الوطنية، والرواية الشفوية ودورها في الكتابة التاريخية العمانية المعاصرة.
