مرتضى بن حسن بن علي
لم تكن المحاضرة التي ألقاها معالي السيد بدر بن حمد البوسعيدي، وزير الخارجية العُماني، في كلية جيرتون بجامعة كامبريدج تحت عنوان «الأمن الشامل في الخليج»، مجرد عرض دبلوماسي تقليدي لمواقف سلطنة عُمان من قضايا الإقليم. فقد حملت رؤية فكرية وسياسية تتجاوز إدارة الأزمات الراهنة إلى مساءلة الأسس التي قامت عليها المنظومة الأمنية الخليجية خلال العقود الماضية. والأهم أنها طرحت سؤالًا جوهريًا: هل يمكن بناء أمن مستدام في الخليج في ظل استمرار الاعتماد على القوى الخارجية، واستبعاد بعض دول المنطقة من ترتيباته الأمنية؟
والوقائع والحقائق تقول ان ان ظلال التاريخ والجغرافيا ثابتة بينما ظلال البوارج والطائرات متحركة.
من أمن الدولة المنفرد إلى الأمن الجماعي
انطلقت رؤية السيد بدر البوسعيدي من حقيقة جغرافية وسياسية يصعب تجاوزها، وهي أن أمن عُمان مرتبط بأمن جيرانها، وأن الاستقرار لا يتحقق بصورة منفردة، مهما بلغت قدرات الدولة أو اتسعت علاقاتها الدولية. فالدولة التي تعيش في محيط مضطرب لا تستطيع أن تبقى بمنأى عن تداعيات ذلك الاضطراب.
ومن هنا جاءت الدعوة إلى إنشاء منظومة أمنية شاملة تضم الدول الثماني: دول مجلس التعاون الخليجي الست، إضافة إلى العراق وإيران. فاستقرار المنطقة، وفق هذا التصور، لا يتحقق عبر تحالفات تستهدف عزل بعض أطرافها، أو ترتيبات تقوم على افتراض أن أمن طرفٍ ما يتحقق بإضعاف طرف آخر.
وتكمن جرأة هذا الطرح في تحديه مفهومًا استراتيجيًا سائدًا لعقود، يقوم على إدارة التوازنات الإقليمية عبر الردع العسكري والتحالفات الخارجية. وقد أظهرت التجارب أن هذه المقاربة، رغم ما وفرته من حماية في مراحل معينة، لم تمنع اندلاع الحروب أو استمرار سباقات التسلح والتوترات.
ميثاق عدم الاعتداء: من الفكرة إلى التطبيق
لم يكتفِ الخطاب بتشخيص الاختلالات، بل طرح هدفًا عمليًا يتمثل في التوصل إلى ميثاق لعدم الاعتداء بين الدول الثماني، باعتباره خطوة أولى نحو بناء الثقة وتطوير منظومة أمنية أكثر استقرارًا.
غير أن نجاح هذه المبادرة يتطلب تحويل المبادئ إلى التزامات قابلة للتنفيذ، تشمل احترام السيادة، وعدم التدخل في الشؤون الداخلية، وتسوية النزاعات سلميًا، وضمان حرية الملاحة، وإنشاء آليات للتحقق ومعالجة الخلافات.
وقد يكون من المناسب تأسيس منتدى أمني خليجي دائم يضم الدول الثماني، ويعقد اجتماعات دورية على المستويات السياسية والأمنية والفنية، وصولًا إلى ترتيبات مؤسسية لإدارة الأزمات ومنع التصعيد.
ولا يعني ذلك الاستغناء الفوري عن الشراكات الدفاعية الدولية، وإنما إعادة صياغتها تدريجيًا، بحيث تصبح مسؤولية الأمن الأساسية إقليمية، فيما تتحول العلاقات مع القوى الكبرى إلى شراكات متوازنة تشمل الاقتصاد والتكنولوجيا والتنمية.
لماذا الدول الثماني؟ وأين اليمن؟
يثير تحديد الدول الثماني تساؤلًا مشروعًا حول موقع اليمن في هذه المنظومة. ويمكن فهم هذا التحديد في إطار التركيز على دول الخليج ومحيطها السياسي المباشر، لا باعتباره حكمًا على الأهمية الاستراتيجية للدول المجاورة؛ فاليمن، وإن لم يكن مطلًا على الخليج العربي، يمثل امتدادًا حيويًا لأمن شبه الجزيرة العربية، بحكم حدوده مع السعودية وعُمان، وإشرافه على باب المندب وخليج عدن، وتأثير استقراره على التجارة الدولية وأمن الطاقة.
ومن ثم، فإن نجاح أي منظومة أمنية خليجية يستدعي تطوير إطار موازٍ يربط أمن الخليج بأمن اليمن والبحر الأحمر وبحر العرب. فلا معنى لحماية مضيق هرمز بينما تبقى الممرات البحرية المتصلة به عرضة للاضطرابات.
من الدبلوماسية الصامتة إلى الدبلوماسية الفكرية
لعل الجانب الأكثر إثارة للاهتمام في محاضرة كامبريدج لا يتعلق بمضمونها وحده، وإنما بالمنبر الذي اختير لطرحها، وباللغة الفكرية التي صيغت بها.
لقد عُرفت الدبلوماسية العُمانية تاريخيًا بالهدوء والوساطة والمحافظة على قنوات التواصل مع الأطراف المتخاصمة. غير أن خطاب السيد بدر يكشف عن تطور مهم، يتمثل في الانتقال من الاكتفاء بتقريب وجهات النظر إلى المساهمة في صياغة التصورات النظرية التي يمكن أن تقوم عليها الترتيبات الإقليمية المستقبلية.
وهنا يبرز مفهوم «الدبلوماسي المُفكِّر»، الذي عرفته السياسة الدولية من خلال شخصيات جمعت بين المعرفة الأكاديمية والممارسة السياسية، مثل هنري كيسنجر، وزبيغنيو بريجينسكي، وجوزيف ناي؛ فقد جمع كيسنجر بين التنظير للعلاقات الدولية وممارسة الدبلوماسية، وقدم بريجينسكي قراءات استراتيجية للتوازنات العالمية، واشتهر ناي بتطوير مفهومي «القوة الناعمة» و«القوة الذكية»، اللذين أثّرا في فهم أدوات النفوذ الدولي.
ولا تعني هذه المقارنة تماثل التجارب أو المواقف، وإنما الإشارة إلى أهمية الجمع بين التفكير الاستراتيجي والممارسة الدبلوماسية، بحيث لا يقتصر دور المسؤول على التعامل مع الأحداث، بل يمتد إلى إنتاج الأفكار القادرة على التأثير في مساراتها.
الجامعات العالمية ساحات لصناعة السياسات
إنَّ اختيار جامعة كامبريدج يحمل دلالة تتجاوز البعد البروتوكولي؛ فالجامعات الكبرى ليست مؤسسات تعليمية فحسب، وإنما فضاءات لإنتاج المعرفة وتشكيل التصورات التي تنتقل لاحقًا إلى مراكز الأبحاث ودوائر صنع القرار.
ومن خلال مخاطبة هذه المؤسسات، تستطيع الدول إيصال رؤاها إلى الباحثين والمفكرين وصناع القرار المستقبليين، وتحويل المبادرات السياسية إلى موضوعات للنقاش الأكاديمي والبحث الاستراتيجي.
وهذا يفتح أمام الدبلوماسية العُمانية مجالًا أوسع لتوظيف قوتها الناعمة، عبر التعاون مع الجامعات العالمية، وإنشاء برامج بحثية متخصصة في أمن الخليج، وتنظيم حوارات فكرية تستضيف خبراء من الدول الثماني. كما يمكن للجامعات ومراكز الدراسات العُمانية أن تؤدي دورًا أكبر في إنتاج المعرفة الاستراتيجية، بدلًا من الاكتفاء باستهلاك التحليلات الصادرة عن المؤسسات البحثية الأجنبية.
من إدارة الأزمات إلى صناعة المستقبل
إنَّ القيمة الحقيقية لمحاضرة السيد بدر تكمن في أنها لم تطرح الأمن باعتباره مسألة عسكرية مجردة، بل بوصفه منظومة مترابطة تشمل السياسة والاقتصاد والتنمية والثقة المتبادلة.
غير أن المسافة بين الرؤية النظرية والتطبيق العملي تظل واسعة، خصوصًا في منطقة تراكمت فيها الشكوك والصراعات لعقود. ولذلك فإن نجاح المبادرة يتطلب إرادة سياسية جماعية، وخطوات تدريجية، وضمانات متبادلة، ومؤسسات قادرة على الاستمرار رغم تغير الظروف.
لقد اعتادت الدبلوماسية العُمانية أن تؤدي دور الجسر بين المتخاصمين. أما الرسالة الأعمق لمحاضرة كامبريدج، فهي أن الوقت قد حان للانتقال من بناء الجسور بين أطراف الأزمات إلى المساهمة في تصميم نظام إقليمي يقلل احتمالات نشوئها أصلًا.
إنَّ الدبلوماسية الناجحة لا تُقاس فقط بعدد الحروب التي تساعد على إيقافها، بل أيضًا بقدرتها على ابتكار منظومة سياسية وأمنية تجعل اندلاع الحروب أقل احتمالًا. وتلك، ربما، هي الرسالة الأكثر أهمية التي حملها السيد بدر من مسقط إلى كامبريدج.
