التاريخ يتحدث بلغة الحكمة.. من وندسور إلى مسقط

 

◄ عُمان ومكانتها في عالم مضطرب ودلالات الخطاب الملكي

مرتضى بن حسن بن علي

لم تكن الزيارة الرسمية التي قام بها حضرة صاحب الجلالة السلطان هيثم بن طارق المعظم- حفظه الله ورعاه- إلى المملكة المتحدة الأسبوع الماضي، مجرد مناسبة دبلوماسية لتبادل المجاملات بين بلدين تربطهما علاقات تاريخية عريقة، بل حملت رسائل سياسية وحضارية عميقة، في مرحلة يشهد فيها العالم تحولات متسارعة، وتواجه منطقة الخليج والشرق الأوسط تحديات أمنية واستراتيجية غير مسبوقة.

واكتسبت الزيارة أهمية خاصة باعتبارها أول زيارة دولة يقوم بها سلطان عُماني إلى بريطانيا منذ زيارة السلطان قابوس بن سعيد عام 1982. وبين الزيارتين أربعة وأربعون عامًا تبدلت خلالها موازين القوى الدولية، وتعاقبت أزمات وحروب، لكن العلاقات العُمانية البريطانية احتفظت باستمراريتها، وتطورت إلى شراكة تشمل الدفاع والتجارة والاستثمار والتعليم والتكنولوجيا.

ففي قلعة وندسور التاريخية؛ حيث تتجسد قرون من التقاليد الملكية البريطانية، لم يكن الحاضر هو السلطان هيثم وحده، بل حضرت معه عُمان بتاريخها البحري، وإرثها الحضاري، وتراثها الفكري، وتجربتها الدبلوماسية القائمة على الحوار والاعتدال والاستقلالية.

وندسور.. عندما يتحدث التاريخ

جاء الاستقبال الملكي بما حمله من مراسم وتقاليد تاريخية تعبيرًا عن أهمية العلاقات بين البلدين. فقد شملت الزيارة الاستقبال الرسمي، واستعراض حرس الشرف، والموكب الملكي إلى قلعة وندسور، ومأدبة العشاء التي أقامها الملك تشارلز الثالث تكريمًا لجلالة السلطان.

غير أن القيمة الحقيقية للزيارة لم تكن في فخامة المراسم، وإنما في الرسائل التي حملها الخطاب الملكي البريطاني، الذي تجاوز عبارات الترحيب التقليدية إلى استحضار التاريخ العُماني ومساهمته في الحضارة الإنسانية.

فقد ذكّر الملك تشارلز بتاريخ الملاحة العُمانية، عندما كان البحارة والتجار العُمانيون يجوبون المحيط الهندي، ويربطون شبه الجزيرة العربية بشرق أفريقيا والهند وبلدان آسيا، قبل أن تصبح بريطانيا قوة بحرية عالمية. وهي إشارة تحمل اعترافًا بأن عُمان كانت في مراحل تاريخية مختلفة قوة بحرية وتجارية ذات امتداد حضاري واسع.

عندما يستحضر الملك التراث العُماني

لعل أكثر ما ميّز خطاب الملك تشارلز استحضاره شواهد من التراث العربي والعُماني، فقد استعان بإشارات أدبية وتاريخية، واستشهد بشعر أبي مسلم البهلاني، أحد أبرز شعراء عُمان، كما أورد أبياتًا منسوبة إلى الشاعر محمد بن شيخان بن خلفان السالمي، المعروف بـ"شيخ البيان".

ولم يكن هذا الاستحضار مجرد تزيين بلاغي، بل رسالة ثقافية تؤكد أن العلاقات بين الأمم لا تُبنى على المصالح السياسية والاقتصادية وحدها، وإنما تتعمق من خلال المعرفة المتبادلة واحترام الإرث الحضاري. أما اللحظة الأكثر تأثيرًا، فكانت استشهاد الملك بالحديث النبوي الشريف: «لو أن أهل عُمان أتيت، ما سبوك ولا ضربوك».

إن استحضار هذا الحديث في محفل ملكي بريطاني رفيع يمثل تقديرًا للسمعة الأخلاقية التي ارتبطت بأهل عُمان منذ صدر الإسلام، ويستحضر قيم التسامح وحسن المعاملة والاعتدال وحرية الاعتقاد بالدين والمذهب التي أصبحت من أبرز ملامح الشخصية العُمانية.

واللافت أن هذه الإشادة جاءت في زمن تتصاعد فيه النزاعات الدينية والمذهبية والسياسية، وتزداد فيه الحاجة إلى نماذج تؤكد أن الاختلاف لا يستوجب العداء، وأن التعايش يمكن أن يكون أساسًا لاستقرار المجتمعات.

السلطان هيثم.. القوة التي لا تصنعها الجيوش

وإذا كان خطاب الملك تشارلز قد احتفى بتاريخ عُمان ومكانتها، فإن كلمة جلالة السلطان هيثم بن طارق- أعزه الله- حملت رسالة سياسية وفكرية تعكس فلسفة السياسة الخارجية العُمانية، القائمة على الإصغاء والحوار والتفاهم. وجوهر هذه الفلسفة أن القوة لا تُقاس بحجم الجيوش والترسانات العسكرية وحدها، وإنما تنبع أيضًا من المصداقية والثقة والقدرة على التواصل مع الأطراف المتخاصمة.

وقد أصبحت هذه المدرسة الدبلوماسية جزءًا من النهج العُماني منذ عهد السلطان قابوس بن سعيد، واستمرت في عهد السلطان هيثم. واستطاعت عُمان- عبر المحافظة على علاقات متوازنة مع قوى إقليمية ودولية مختلفة- أداء أدوار مهمة في الوساطة وتسهيل الاتصالات، خصوصًا في الملفات المرتبطة بإيران والولايات المتحدة والأزمات الإقليمية.

والحياد العُماني لم يكن انسحابًا من المسؤولية، بل محاولة لإبقاء قنوات الحوار مفتوحة عندما تغلقها المواجهات العسكرية والخلافات السياسية.

مضيق هرمز.. أهمية الموقع وحكمة السياسة

ومن أبرز الدلالات السياسية للزيارة الإشادة البريطانية بالدور العُماني في دعم الاستقرار الإقليمي، ولا سيما في منطقة الخليج ومضيق هرمز، أحد أهم الشرايين الاستراتيجية للاقتصاد العالمي. وقد أثبتت الأزمات الأخيرة أن أمن الخليج لم يعد قضية إقليمية محصورة، بل أصبح مرتبطًا بأمن الطاقة العالمي واستقرار التجارة الدولية.

وفي ظل هذه الظروف، تبرز أهمية عُمان باعتبارها دولة تجمع بين موقع جغرافي استراتيجي وسياسة خارجية تسعى إلى خفض التصعيد. لكن المحافظة على هذه المكانة تتطلب تعزيز القدرات الاقتصادية والأمنية، وصيانة استقلال القرار الوطني.

من التاريخ إلى المستقبل

وتعود العلاقات العُمانية البريطانية إلى قرون مضت، وشهدت محطات مهمة، أبرزها معاهدة الصداقة عام 1800، ثم تطور التعاون السياسي والتجاري والعسكري وصولًا إلى الشراكة المعاصرة.

غير أن أهمية الزيارة لا تكمن في استحضار الماضي وحده، وإنما في قدرتها على فتح آفاق جديدة للتعاون في التكنولوجيا والذكاء الاصطناعي والتعليم والبحث العلمي والاستثمار.

وهنا يبرز السؤال الأهم: كيف يمكن تحويل المكانة الدبلوماسية التي تتمتع بها عُمان إلى مكاسب اقتصادية وتنموية ملموسة؟

في هذا المجال تمّ التوقيع على اتفاقية تتعلق بالذكاء الاصطناعي والفضاء. كما وُقعِّت مذكرتا تفاهم ورسالتا نوايا شملت التعاون في قطاع الفضاء، واستخدام الذكاء الاصطناعي في التعليم. والأهم هو اتفاق بناء مركز بيانات ضخم للذكاء الاصطناعي في صلالة باستثمار أولي يتجاوز مليار جنيه إسترليني (نحو 1.3 مليار دولار)، ويعزز نقل الخبرة والتقنية إلى عُمان.

أما فيما يتعلق بالاستثمار السيادي، فقد تم توسيع "شراكة الاستثمار السيادي" بين البلدين لتشمل قطاعات حيوية مثل الطاقة المتجددة، والتكنولوجيا، والمعادن الحيوية، والفضاء، والرعاية الصحية، والخدمات المالية.‌.

وفي جانب تمويل التجارة والصناعة، رفعت وكالة ائتمان الصادرات البريطانية قدرتها التمويلية لصادراتها إلى عُمان إلى 7 مليارات جنيه إسترليني، مما يفتح الباب أمام مشاريع بنية تحتية وصناعية كبرى.‌

وفي مجال التعليم وبناء القدرات، أعلنت بريطانيا عن عودة برنامج "تشيفنينغ" للمنح الدراسية إلى عُمان، مع فتح باب التقديم في أغسطس 2027، في استثمار مباشر في قادة المستقبل.

وهذا يؤكد أن العلاقات الدولية لا ينبغي أن تُقاس بعدد الزيارات والاتفاقيات، وإنما بما تنتجه من استثمارات وفرص عمل ونقل للمعرفة وتطوير للقدرات الوطنية، بما ينسجم مع مستهدفات رؤية عُمان 2040.

لقد حمل الاحتفاء البريطاني بعُمان في قلعة وندسور تقديرًا لتاريخها ومكانتها ودورها الدبلوماسي، لكنه يطرح في الوقت نفسه مسؤولية وطنية أكبر؛ فالأمم لا تستطيع بناء مستقبلها بالاكتفاء بأمجاد الماضي، مهما كانت عظيمة؛ إذ يصبح التاريخ مصدر قوة عندما يتحول إلى حافز لبناء الإنسان وتطوير المؤسسات وتعزيز المعرفة والإنتاج.

لقد تحدث التاريخ في وندسور بلغة الحكمة، واستحضر ملك بريطانيا أمجاد عُمان وأخلاق أهلها، لكن الرسالة الأعمق أن احترام العالم لتاريخ الأمم لا يغنيها عن صناعة مستقبلها؛ فالأمم العظيمة ليست تلك التي تمتلك ماضيًا مجيدًا فحسب، وإنما تلك التي تجعل من ذلك الماضي قوة حية لبناء غدٍ أكثر ازدهارًا.

الأكثر قراءة

z