د. محمد بن خلفان العاصمي
قدم معالي السيد بدر بن حمد البوسعيدي وزير الخارجية رؤية متكاملة لأمن الخليج الشامل، وذلك خلال المحاضرة التي قدمها في جامعة كمبريدج بالمملكة المتحدة، والتي انطلقت من مبدأ أن الصراعات والأزمات لا تُحل بالطرق العسكرية، وأن الحوار بين الدول كفيل بوضع حلول شاملة ومستدامة وفعالة للنزاعات، وتجنيب العالم المزيد من الحروب التي لم تجني منها البشرية سوى الدمار والقتل والخراب.
وقد رصدنا في هذه الرؤية 12 رسالة موجهة لقيادات الخليج وسياسييها وصناع القرار فيها، وهي ليست رسائل سياسية مستهلكة؛ بل خارطة طريق يمكنها أن تضع السلام على أرض الواقع بعد أن جربت المنطقة جميع الحلول، والأغرب أنَّ هذه الرسائل وضعتها سلطنة عُمان أمام الجميع في العام 1976 في مسقط عندما اجتمعت دول الخليج وإيران والعراق لبحث مسألة أمن الخليج.
لقد كانت النظرة لمستقبل المنطقة غير واضحة للبعض الذين وجدوا أن مسقط تُبالغ في تقييم المخاطر لذلك لم تجد وقتها القبول، واليوم تُثبت السياسة العُمانية أنها ذات بعد استراتيجي استشرافي يرى المستقبل من خلال قراءة صحيحة للحاضر، وهذا ما جعل الدبلوماسية العُمانية ذات حضور لافت بين الدول وذات عمق ونظرة لما يمكن أن تكون عليه السياسة.
وهنا نستعرض هذه الرسائل التي يمكن أن تمثل المخرج لأزمة الخليج الحالية والمستقبلية التي قد تنشأ نتيجة وضع اللا توازن الذي تمر به دول الخليج، وتشابك مصالحها وتقاطع أهدافها وترقب الموقف من الدول التي تسعى لتحقيق مكاسب من هذه الحالة، وقد جاءت الرسائل على النحو التالي:
أولًا: تحمل مسؤولية أمن الخليج: يرى معالي السيد بدر ضرورة أن تتولى دول المنطقة مسؤولية أمنها بدلًا من الاعتماد على القوى الخارجية، ويجب على الدول الثمانية صياغة ترتيبات واضحة لضمان أمن الخليج واستقراره وذلك من خلال تبني نهج جماعي ينطلق من مصالح المنطقة واحتياجاتها، وأن يكون أمن الخليج موازيًا لأمن كل دولة كمصير واحد ومشترك لا يجب المساس به، بالمختصر المفيد على دول المنطقة أن تتحمل مسؤولية أمنها مجتمعة.
ثانيًا: بناء منظومة أمنية شاملة: من الأهمية بمكان أن يتم إشراك الدول الثمانية المطلة على الخليج، بما فيها إيران والعراق؛ حيث إن تجاهل أحد الأطراف وإبعاده عن هذه المنظومة سبب مباشر لحالة عدم الاستقرار، كما يشير لذلك معالي السيد وزير الخارجية، فإبعاد إيران عن هذه المنظومة كلف المنطقة حالة من التوترات استمرت لما يقارب 45 عامًا، كما حدث كذلك مع العراق مسبقًا خاصة بعد حرب الخليج؛ حيث خلقت حالة من اللا ثقة بين دول مجلس التعاون الستة وجيرانها في المنطقة، وانعكس ذلك على الاستقرار السياسي، لذلك يجب أن تنطلق رؤية أمن الخليج من الشراكة والمسؤولية الجماعية.
ثالثًا: تجاوز سياسات الإقصاء: وفي هذه النقطة بالتحديد يرى السيد بدر أن على دول الخليج الاعتراف بأن استبعاد إيران من ترتيبات الأمن الإقليمي على مدى عقود ساهم في تعقيد الأوضاع، وكرس عقدة الخوف وعدم الثقة بين الأطراف، وهذه حالة تخدم المشروع الصهيوني في المنطقة والذي يرغب في حالة العداء هذه ويريد اطالة أمدها ليحقق أهدافه التي يسعى لها في الأراضي الفلسطينية المحتلة، وقد كرر معالي السيد مرارًا أن إقصاء طرف من المسألة الخليجية لن يجلب سوى الفشل للجهود المبذولة.
رابعًا: ميثاق لعدم الاعتداء: ويري معالي السيد وزير الخارجية أن هذا الاتفاق مهم جدًا إذا ما رغبت دول الخليج في إنشاء منظومة أمنية شاملة؛ حيث لابد من أن تضمن كل دولة عدم الاعتداء عليها من قبل الدول الأخرى، وهذا يشمل مسألة السماح بإنشاء القواعد العسكرية في المنطقة وخطورتها، كما إنه يجب إعادة النظر في كلفة الاعتماد الأمني والعسكري على القوى الكبرى وما كلف دول الخليج من ثروات كان يمكن تجنبها بمثل هذا الاتفاق.
خامسًا: ترابط الأمن الإقليمي: أمن سلطنة عُمان كما يراه معالي السيد بدر مرتبط بأمن جيرانها، ويجب أن تحرص كل دولة على ذلك لضمان استدامة الأمن في المنطقة، وهو امر مهم جدًا؛ حيث يشمل ذلك جميع الجوانب الامنية والعسكرية، فلا تجسس ولا محاولة التأثير على أمن الدول المجاورة كمنطق رئيسي للتفوق والنفوذ والاستحواذ على المكاسب الاقتصادية والسياسية بين دول المنطقة.
سادسًا: تجاوز تصورات العداء: أشار معالي السيد وزير الخارجية الى أن شعوب الخليج تعايشت مع الدولة الفارسية قرونًا عديدة وفق مبادي التعاون والسلام دون اي مشكلة تذكر، بل إن "إيران الشاه" كانت تمتلك علاقات مميزة مع دول الخليج، فلماذا ساءت العلاقات في عهد الجمهورية الإسلامية؟ وهذا تساؤل يجب أن يدرس بعناية حتى نصل إلى لُب المشكلة التي خلقت تصورات العداء في الأذهان بين دول مجلس التعاون والجمهورية الإسلامية الإيرانية.
سابعًا: إطلاق حوار إقليمي جديد: يجمع الدول الثماني المُطلَّة على الخليج لمعالجة الخلافات وبناء الثقة وتعزيز الاستقرار؛ حيث يري السيد بدر أن أمن الخليج مسؤولية مشتركة لجميع الدول المطلة عليه من الجانبين، ويجب أن يكون هناك حوار وتشاور مستمر يساهم في ايجاد توافق حول الامن الإقليمي الخليجي.
ثامنًا: إحياء رؤية مسقط 1976: عندما عقد وزراء خارجية الثماني دول اجتماعًا في نوفمبر 1976 في مسقط لبحث الأمن الجماعي الخليجي، جاءت هذه المبادرة من منطلق أن سلطنة عُمان لا تنظر إلى أمن الخليج باعتباره قضية عسكرية أو دفاعية فحسب، بل باعتباره مشروع سياسي واقتصادي مشترك، وأن أمن الخليج مسؤولية مشتركة، وقد جاء تذكير السيد بدر بهذه المبادرة لبعث رسالة مُهمة؛ وهي أن مسقط قدمت الحل منذ 50 عامًا، وربما بسبب الأوضاع في تلك الفترة لم ترى المبادرة النور ولكن حان الوقت لتجديد النظرة في الوضع الراهن والرجوع لتلك الفكرة التاريخية.
تاسعًا: تأمين الملاحة في مضيق هرمز: وأهمية ضمان المرور الامن في المضيق والتوصل إلى تفاهم إقليمي مشترك يضمن حرية الملاحة وأمن الممرات البحرية، باعتبار أن التأثير على هذا الممر الحيوي يضر بجميع الدول على حد سواء، ولذلك لابد أن تبنى التفاهمات القادمة على توافق تام بين الدول الثمان المطلة على المضيق، وما حدث في الأزمة الأخيرة يؤكد أن قضية المضيق أثرت بشكل واضح على اقتصاد المنطقة.
عاشرًا: إبقاء الدبلوماسية مفتوحة: تطرق معالي السيد بدر إلى أهمية مواصلة المساعي الدبلوماسية بين الولايات المتحدة وإيران، والاستفادة من فرص التوصل إلى اتفاق بشأن برنامجها النووي؛ حيث يرى السيد بدر أن الفرصة ما تزال قائمة وأن الوقت لم يفت للعودة إلى طاولة المفاوضات والوصول إلى اتفاق نهائي متى ما كانت الرغبة حاضرة لدى الأطراف بعيدًا عن التأثيرات السلبية التي تأتي من مصدر واحد لا يرغب في التوصل إلى تسوية نهائية ومرضية للأطراف ذات العلاقة.
حادي عشر: إعادة صياغة الشراكات الخارجية: وتحديد دورها بشكل يلائم احتياجات المرحلة الحالية، فمسؤولية الخليج في ضمان الاستقرار والأمن لا يعني التخلي عن الشراكات الدولية، بل هو الانتقال بالشراكات نحو التعاون الاقتصادي والاستثمار، بدلًا من الاعتماد الأساسي على الالتزامات العسكرية واتفاقيات الحماية، وهذا ما شدد عليه السيد بدر في حديثه معتبرًا أن التحالفات الاقتصادية سوف تساهم في تحقيق الاستقرار للمنطقة.
اثنا عشر: البدء بالخطوات العملية الآن: يجب أن نبدأ فورًا كما يرى السيد بدر، فلا جدوى من الانتظار وما زال هناك وقت لإصلاح الوضع، وعلى دول المنطقة ألّا تسمح بالتحديات من أن تُثبِّط الجهود، مثل صعوبة المفاوضات أو انعدام الثقة وتوقف المحادثات، ووجود نقاط خلاف كبيرة وتباين في المواقف والرؤى، كل ذلك لا يجب أن يوقف جهود السلام والاستقرار الإقليمي في المنطقة.
لقد قدم معالي السيد بدر بن حمد البوسعيدي وزير الخارجية وصفة فعَّالة لتحقيق الأمن والاستقرار في المنطقة، شريطة تقديم التنازلات وتغليب المصلحة المشتركة على المصالح الخاصة، والجلوس على طاولة الحوار والنقاش، وهذا ما سعت له سلطنة عُمان مرارًا وتكرارًا وآخرها في صلالة خلال سبتمبر الماضي، لولا التدخلات والمكابرة السياسية التي دائمًا ما كانت المعرقل والمعيق لجهود السلام في المنطقة.
